لندن: محمد الطّورة
بين د. عوض خليفات و د. عبدالله النسور: من كان صاحب الكلمة الفصل في الإختيار؟
قراءة في مشاورات عام 2013 وأسئلة القرار السياسي في الأردن
بداية قد يتساءل البعض: ما الهدف من إثارة هذا الموضوع بعد كل هذه السنوات؟ والجواب ببساطة أن رسالة الإعلام لا تسقط بالتقادم، ولا تقتصر على نقل الأحداث، بل تمتد إلى البحث عن الحقيقة، وتوضيح ما التبس من وقائع، وتعزيز الشفافية في صناعة القرار. فإعادة فتح مثل هذه الملفات ليست نبشاً في الماضي، وإنما محاولة لفهمه، واستخلاص العبر منه، والتنبيه إلى ضرورة عدم تكرار أي ممارسات قد تؤثر في سلامة القرارات العامة مستقبلاً. فمعرفة الحقيقة ليست غاية في حد ذاتها فحسب، بل خطوة ضرورية لبناء الثقة وتصويب المسار.
تُعيدنا الذاكرة إلى أرشيف الحياة السياسية الأردنية إلى مشاورات تشكيل الحكومة في شباط وآذار عام 2013، حين برز اسما الدكتور عوض خليفات والدكتور عبدالله النسور ضمن الأسماء المطروحة لتولي رئاسة الوزراء. ولم يكن اسم د. خليفات مجرد احتمال عابر؛ فقد أظهرت التغطيات الصحفية المعاصرة أن كتلًا نيابية أيدت ترشيحه، في حين اتجهت كتل أخرى إلى دعم النسور.
ففي 26 شباط 2013، نشرت وكالة الأنباء الأردنية «بترا» تقريراً عن الأسماء المطروحة في مشاورات الكتل النيابية، وورد فيه اسم الدكتور عوض خليفات، الذي كان يشغل آنذاك منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية، إلى جانب الدكتور عبدالله النسور وأسماء أخرى. كما أشارت تقارير صحفية لاحقة إلى أن المشاورات انتهت إلى حصر المنافسة بين خليفات والنسور.
وفي التاسع من آذار 2013، كُلّف الدكتور عبدالله النسور بتشكيل الحكومة الجديدة، ليواصل بذلك توليه رئاسة الوزراء، فيما بقي اسم الدكتور عوض خليفات خارج موقع الرئاسة.
هذه الوقائع، كما تظهر في الأرشيف الصحفي، تفتح الباب أمام سؤال يتجاوز الشخصين نفسيهما: كيف تُصنع القرارات المتعلقة باختيار رؤساء الحكومات في الأردن؟ وإلى أي مدى تعكس النتيجة مواقف الكتل النيابية ومشاوراتها، وإلى أي مدى تتأثر باعتبارات أخرى لا تظهر بالضرورة في البيانات والتصريحات الرسمية؟
إن أهمية هذه الحالة لا تنبع من افتراض أن شخصاً بعينه كان الأحق بالمنصب، ولا من التقليل من شأن من تولاه، بل من ضرورة فهم الآليات التي تنتقل من خلالها الأسماء من دائرة الترشيح والتداول إلى دائرة الاختيار النهائي.
فعندما يُطرح اسم شخصية سياسية بحجم ووزن الدكتور خليفات تمتلك خبرة حكومية وإدارية، ويحظى بدعم نيابي معلن، ثم يقع الاختيار على شخصية أخرى لا تقل خبرة ومهنية ، يصبح من المشروع طرح أسئلة حول طبيعة المعايير التي حسمت القرار. هل كانت الاعتبارات مرتبطة بالبرامج الحكومية والظروف الاقتصادية والسياسية؟ أم بتوازنات الكتل النيابية ومواقفها؟ أم بحسابات سياسية أخرى لم تُعلن للرأي العام؟
وهنا تبرز مسألة أكثر أهمية: ما حدود الدور الذي تؤديه المؤسسات والكتل النيابية في اختيار رئيس الوزراء؟ وهل تمثل المشاورات النيابية العامل الحاسم في القرار، أم أنها إحدى حلقات عملية سياسية أوسع تتداخل فيها اعتبارات متعددة؟
لا يعني طرح هذه الأسئلة الجزم بوجود تدخل من جهة معينة لمنع وصول الدكتور عوض خليفات إلى رئاسة الوزراء، إذ إن إثبات مثل هذا الأمر يحتاج إلى وثائق أو شهادات موثوقة. لكنه يعني أن غياب المعلومات الواضحة بشأن المعايير التي تحسم الاختيار يترك المجال مفتوحاً للتأويل، ويجعل الحاجة إلى الشفافية والمساءلة أكثر إلحاحاً.
إن القضية، في جوهرها، ليست منافسة بين اسمين، ولا محاولة لإعادة فتح ملف رئاسة الوزراء بعد مرور سنوات، بل هي تساؤل حول طبيعة صناعة القرار السياسي، والجهات التي تؤثر فيه، ومدى وضوح هذه العملية أمام المواطنين.
ففي الحياة العامة، لا تكفي معرفة من تولى المنصب؛ بل تظل معرفة كيفية اتخاذ القرار، والمعايير التي استند إليها، وحدود تأثير المؤسسات المختلفة فيه، جزءاً أساسياً من فهم الحياة السياسية وتقييم تطورها.
وبين اسم الدكتور عوض خليفات الذي طُرح في مشاورات عام 2013، والدكتور عبدالله النسور الذي انتهى إليه التكليف، تبقى الأسئلة المتعلقة بآليات الاختيار السياسي جديرة بالبحث والتوثيق، بعيداً عن الاتهامات غير المثبتة، وبما يتيح للرأي العام فهماً أوضح لكيفية اتخاذ القرارات العامة.
فالسؤال الذي يستحق أن يبقى مطروحاً ليس: لماذا لم يصل الدكتور خليفات إلى المنصب؟ بل: كيف تُحسم الخيارات السياسية الكبرى، وما المعايير التي ينبغي أن تحكمها، وكيف يمكن للرأي العام أن يعرف ذلك؟
أما نحن في «العموم نيوز»، وانطلاقاً من حق الرأي العام في معرفة حقيقة ما جرى، نأمل أن يخرج علينا أحد ممن كانوا في مواقع صنع القرار آنذاك، ليكشف ملابسات طرح اسم الدكتور عوض خليفات لرئاسة الوزراء وانتهاء الأمر بتكليف الدكتور عبدالله النسور. فكما يتحدث البعض باستمرار عن بطولاتهم وجولاتهم وصولاتهم، نأمل أن نسمع منهم الحقيقة أيضاً؛ فإن كانوا أصحاب القرار، فليقولوا كيف اتُّخذ، وإن لم يكن ضمن صلاحياتهم أو صلاحيات مرؤوسيهم، فليقولوا ذلك صراحة، وليعتذروا إن اقتضت الحقيقة الاعتذار. فالتاريخ لا يُنصفه الصمت، والحقيقة لا تسقط بالتقادم، سواء تعلّق الأمر بأحياء أم برحيل مسؤولين.