كتب: محمد الطّورة
شيوخ الإمارات العربية المتحدة: جيلٌ أسّس الأتحاد وجيلٌ يواصل مسيرة البناء والتطور والعطاء
الإمارات في ذاكرة العمر ووجدان الوفاء
حين أكتب عن دولة الإمارات العربية المتحدة، فإنني لا أكتب عن بلد قرأت عنه في الكتب أو تابعت مسيرة نهضته من بعيد، بل أكتب عن تجربة عشتها، وذكريات ما زالت حاضرة في وجداني، وعن سنوات من العمر تركت في نفسي أثرًا عميقًا لا تمحوه الأيام ولا تبدّده المسافات.
بدأت حكايتي مع هذه الأرض الطيبة عام 1978، حين وطئت قدماي أبوظبي للمرة الأولى، متشرفًا بالالتحاق بالعمل في الدائرة الخاصة للمغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة آنذاك، وكانت الدائرة تقع في منطقة الخالدية. لم أكن أدرك يومها أن تلك الخطوة ستكون بداية ارتباط طويل بهذه الأرض وأهلها، وأن السنوات التي سأقضيها فيها ستصبح جزءًا عزيزًا من ذاكرتي وتاريخ حياتي.
منذ ذلك الحين، عايشت جانبًا من مسيرة الإمارات وهي تنتقل بخطوات متسارعة من مرحلة التأسيس إلى آفاق واسعة من التنمية والتطور، حتى غدت دولة حديثة تستقطب رجال الأعمال والسياح، وتستقبل الناس من مختلف أنحاء العالم. ولم يكن هذا التحول وليد المصادفة، بل جاء ثمرة رؤية شيوخها وقادتها، وعملهم المتواصل لبناء دولة تقوم على الطموح والتخطيط، وتجمع بين التمسك بالأصالة والانفتاح على المستقبل.
ولعل ما بقي في نفسي من تلك السنوات لا يقتصر على مشاهد العمران واتساع المدن وتطور الحياة، بل يتجاوز ذلك إلى ما لمسته من اهتمام بالمواطن الإماراتي، وحرص على رعايته وتوفير مقومات الحياة الكريمة له، إلى جانب ما وجدته من احترام للمقيمين، وتقدير لدورهم، وحرص على أن تسود بينهم وبين المجتمع علاقات إنسانية وحضارية ينظمها القانون وتحكمها قيم الاحترام المتبادل. وهذه المعاني، في تقديري، من الجوانب التي تستحق أن تُذكر كلما استعدنا تجربة الإمارات ومسيرة تطورها.
ومع أن ظروفًا خاصة دفعتني، بعد سنوات من الإقامة والعمل، إلى مغادرة الإمارات والاستقرار في المملكة المتحدة، فإن الرحيل لم يكن انقطاعًا عن المكان، ولا مغادرةً لما تركه في القلب من محبة ووفاء. فقد غادرت الأرض، لكنني لم أغادر ذكرياتها؛ ومضت السنوات، لكن صلتي بها بقيت حية، تتجدد مع كل زيارة، وكل لقاء، وكل مشهد يعيد إلى الذاكرة شيئًا من أيام مضت وما زالت عزيزة على النفس.
وما زلت أحرص على تكرار زياراتي إلى الإمارات، والتنقل بين مدنها وإماراتها السبع، لا لمتابعة ما تشهده من تطور فحسب، بل أيضًا لاستعادة شيء من روحي التي تركت جزءًا منها في هذه الأرض. ففي بعض الأماكن حكايات لا تُروى بالكلمات وحدها، وفي بعض الوجوه واللقاءات دفء يعيد إلى الإنسان إحساسه بأنه يعود إلى جزء من حياته، لا إلى مكان يزوره فحسب.
وتبقى منطقة سويحان في أبوظبي، القريبة من مدينة العين، محطةً خاصة في قلبي وذاكرتي، وموضعًا أحرص على زيارته كلما عدت إلى الإمارات. فسويحان بالنسبة إليّ ليست مجرد منطقة ارتبطت بمرحلة من حياتي، بل هي صفحات من الذكريات الجميلة التي جمعتني بأهلها الطيبين، من مختلف العائلات التي عرفت فيها كرم الضيافة، وصدق المودة، وطيب المعشر، ونبل التعامل. وما زلت أستحضر تلك الأيام بامتنان وحنين، وأتذكر أهلها بكل تقدير ومحبة؛ فالعلاقات الصادقة لا تنتهي بانتهاء زمنها، والذكريات الجميلة لا تفقد قيمتها مهما ابتعدت بنا الحياة عن أماكنها وأصحابها.
إنني أحمل لأهل سويحان، ولشيوخ الإمارات ومواطنيها جميعًا، مشاعر صادقة من المحبة والاعتزاز والتقدير، لما وجدته من كرم أصيل وحسن تعامل ووفاء للقيم التي تميز هذا المجتمع. وهي مشاعر لا تحكمها المسافة، ولا تتغير بتغير الظروف، بل تزداد رسوخًا كلما استعدت ما عشته، وكلما رأيت ما وصلت إليه الإمارات من تقدم وازدهار. ولعل أجمل ما تمنحه الذاكرة للإنسان أنها تتيح له أن يعود، ولو بقلبه، إلى أشخاص وأماكن تركوا فيه أثرًا لا يُنسى.
ومن هذا المنطلق، فإن حديثي عن شيوخ الإمارات ليس مجرد استعراض لمحطات تاريخية أو إنجازات تنموية، بل هو أيضًا شهادة شخصية ووفاء لقيادات عاصرت بدايات مسيرتها، ثم تابعت امتداد رؤيتها عبر الأجيال. فقد كان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم من رجال المرحلة التي أرست دعائم الاتحاد ووضعت أسس الدولة، ثم جاء جيل لاحق حمل مسؤولية مواصلة البناء والتطوير، ممثلًا في الشيخ محمد بن زايد آل نهيان والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.
ومن هنا تأتي فكرة هذا المقال: «شيوخ الإمارات العربية المتحدة: جيلٌ أسّس وجيلٌ بنى»؛ قراءة في مسيرة قيادة امتد أثرها عبر الأجيال، وفي تجربة دولة جمعت بين جذور التأسيس وطموح المستقبل. أكتب هذه السطور بذاكرة من عايش جانبًا من الرحلة، وبحنين من لا يزال يحمل للإمارات وأهلها مكانة خاصة في قلبه، وبالتقدير الذي يستحقه كل من أسهم في بناء هذه التجربة وصون مكتسباتها ومواصلة مسيرتها.
ليست قصة دولة الإمارات العربية المتحدة مجرد حكاية نهضة عمرانية أو تطور اقتصادي، بل هي قصة رجال آمنوا بالوحدة، ورأوا في الإنسان أساس الوطن، وفي الاتحاد قوةً تحفظ المستقبل. إنها قصة جيلٍ حمل مسؤولية التأسيس في زمن كانت فيه التحديات كبيرة والإمكانات محدودة، وجيلٍ تسلّم الأمانة ليواصل البناء ويأخذ الدولة إلى آفاق جديدة.
جيل التأسيس: زايد آل نهيان وراشد آل مكتوم
في زمن كانت فيه المنطقة تواجه تحولات سياسية واقتصادية كبيرة، برز الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، بوصفهما من أبرز قادة مشروع الاتحاد.
كان الشيخ زايد يؤمن بأن قوة الإمارات تكمن في اجتماع كلمتها وتوحيد جهودها، وأن الثروة الحقيقية لا تتمثل في المال وحده، بل في الإنسان الذي تُتاح له فرص التعليم والصحة والعمل والحياة الكريمة. ومنذ توليه حكم أبوظبي عام 1966، جعل التنمية وخدمة المواطنين من الأولويات، وساند إنشاء المدارس والمستشفيات والطرق والمساكن.
وفي دبي، كان الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم يعمل على تطوير البنية التحتية وتعزيز التجارة والمواصلات، مؤمنًا بأن التخطيط والعمل المتواصل هما الطريق نحو المستقبل. وشهدت دبي في عهده مشروعات أسهمت في ترسيخ مكانتها مركزًا للتجارة والنقل.
وفي 18 فبراير 1968، التقى الشيخ زايد والشيخ راشد في منطقة السمحة، واتفقا على إقامة اتحاد بين أبوظبي ودبي، لتبدأ مرحلة حاسمة في مسيرة الوحدة. ثم تواصلت الجهود والمشاورات مع حكام الإمارات الأخرى، حتى أُعلن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر عام 1971، وانتُخب الشيخ زايد أول رئيس للدولة، وتولى الشيخ راشد منصب نائب الرئيس.
لقد كان زايد وراشد من الرجال الذين أدركوا أن بناء الدولة يبدأ بالتوافق والثقة والتعاون، وأن الاتحاد ليس مجرد اتفاق سياسي، بل مشروع وطن ومستقبل مشترك.
(المصدر: البوابة الرسمية لحكومة الإمارات العربية المتحدة).
جيل البناء والتطوير: محمد بن زايد ومحمد بن راشد
إذا كان جيل زايد وراشد قد وضع الأساس وأرسى دعائم الاتحاد، فإن جيل محمد بن زايد ومحمد بن راشد يواصل مسيرة البناء والتطوير في دولة أصبحت حاضرة في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والطيران والفضاء والتعليم والطاقة المتجددة.
فالشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات وحاكم أبوظبي منذ مايو 2022، يواصل العمل على تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مع الاهتمام بالتعليم والصحة والبنية التحتية والاستدامة، إلى جانب الاستثمار في قدرات الإنسان الإماراتي وتمكين الأجيال الجديدة من المشاركة في صناعة المستقبل.
أما الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء وحاكم دبي، فقد ارتبطت مسيرته الحكومية بمبادرات تطوير العمل الحكومي، وتعزيز الابتكار، ودعم الاقتصاد القائم على المعرفة، وتوسيع دور دبي في التجارة والطيران والخدمات والأعمال الدولية.
وتعكس تجربة الجيلين اختلافًا في طبيعة التحديات والوسائل؛ فقد ركز جيل التأسيس على توحيد الإمارات وبناء مؤسسات الدولة وتوفير مقومات الحياة الأساسية، بينما يعمل جيل البناء والتطوير في ظل اقتصاد عالمي متغير، تتزايد فيه أهمية التكنولوجيا والمعرفة والاستدامة والتنافسية.
ومع اختلاف المراحل، يبقى الترابط بين التأسيس والتطوير عنصرًا أساسيًا في فهم مسيرة الإمارات: فالمشروعات الحديثة تستند إلى مؤسسات الاتحاد، والطموحات المستقبلية ترتبط بما تحقق من استقرار وبنية تحتية وتنمية خلال العقود الماضية.
من الاتحاد إلى المستقبل
إن المقارنة بين جيل زايد وراشد وجيل محمد بن زايد ومحمد بن راشد ليست مقارنة بين زمنين منفصلين، بل قراءة لمسيرة متصلة تتوارث فيها الأجيال المسؤولية والطموح.
جيلٌ جمع الإمارات على كلمة واحدة، وجيلٌ يواصل توسيع آفاق التنمية والابتكار. جيلٌ واجه تحديات التأسيس، وجيلٌ يواجه تحديات عالم سريع التغير. وبين المرحلتين، تظل الدولة ومؤسساتها وشعبها محور هذه المسيرة.
كما أن تجربة الإمارات لم تكن ثمرة جهود شخصين أو جيلين وحدهما؛ فقد شارك حكام الإمارات السبع، إلى جانب المواطنين والمؤسسات وأجيال من العاملين في مختلف القطاعات، في تأسيس الدولة وتطويرها. ويظل هذا البعد الجماعي جزءًا مهمًا من قصة الاتحاد.
زايد وراشد اسّسا اتحادًا جمع الإمارات تحت راية واحدة، ومحمد بن زايد ومحمد بن راشد يواصلان العمل على تطوير الدولة وتعزيز حضورها في عالم يتغير باستمرار.
إنها حكاية وطن انتقل من مرحلة تأسيس الاتحاد إلى مرحلة بناء المؤسسات، ثم إلى توسيع آفاق المعرفة والاقتصاد والابتكار. وحين نتأمل هذه المسيرة، ندرك أن الأوطان لا تُبنى في يوم واحد، بل تتشكل عبر رؤيةٍ وعملٍ وتعاون، وتتقدم حين تحافظ الأجيال الجديدة على إرث التأسيس وتضيف إليه ما يلائم متطلبات المستقبل.
زايد وراشد أسّسا، والأجيال واصلت البناء؛ لتبقى الإمارات قصة اتحادٍ وطموحٍ وعملٍ متجدد.