لندن: محمد الطّورة
ثمة مشاهد تتكرر أمام أعيننا، فنمرّ بها أحيانًا كما لو أنها جزء عادي من يومياتنا، مع أنها تستحق أن نتوقف عندها قليلًا، وأن نتأمل ما وراءها من معانٍ وأسئلة.
صورة لجلالة الملك عبدالله الثاني في بيت عزاء في الكرك، يقدّم واجب العزاء ويواسي أهل الشهداء. وصورة أخرى له وهو يستقبل ضيفًا حلّ على الأردن، في إطار ما تقتضيه مسؤوليات الدولة وعلاقاتها. وثالثة نراه فيها اليوم في العقبة، يفتتح معرض سوفكس العسكري.
ثلاث صور، وثلاث محطات مختلفة في طبيعتها وغاياتها، لكنها تجتمع في مشهد واحد يثير لديّ سؤالًا أجدني أكرره كلما تابعت نشاط الملك وتحركاته:
كيف يتّسع يوم الملك لكل هذا؟
كيف ينتقل من بيت عزاء، حيث الحزن ثقيل والقلوب مثقلة بالفقد، إلى استقبال ضيف وما يتطلبه من استعداد وحضور سياسي ودبلوماسي، ثم إلى فعالية رسمية تتصل بشؤون الدولة ومصالحها؟ وكيف يجد الوقت لمتابعة هذه الالتزامات، فيما تتوالى الملفات وتتزاحم المواعيد ولا تتوقف مسؤوليات الحكم؟
في الكرك، لم يكن المشهد مجرد زيارة بروتوكولية لتأدية واجب العزاء؛ بل كان حضورًا في لحظة إنسانية قاسية، يحتاج فيها أهل المصاب إلى من يشاركهم حزنهم، ويشعرهم بأن وجعهم ليس شأنًا بعيدًا عن وجدان الوطن وقيادته.
وفي استقبال الضيف، يتخذ الحضور شكلًا آخر؛ إذ تصبح الدقائق جزءًا من حسابات السياسة والعلاقات بين الدول، ويغدو اللقاء مساحة لبحث المصالح المشتركة وتعزيز العلاقات وتأكيد مكانة الأردن ودوره.
أما في العقبة، فالمشهد يأخذنا إلى ميدان مختلف، حيث الفعاليات الرسمية وما تحمله من دلالات وطنية واستراتيجية، وما تستلزمه من متابعة واهتمام.
وإذا كانت هذه المشاهد مختلفة، فإن ما يجمعها هو ذلك الحضور المتواصل في ميادين تتباين مسؤولياتها، وتتطلب كل واحدة منها استعدادًا وتركيزًا واهتمامًا يناسب طبيعتها.
وهنا يعود السؤال: هل هي قدرة استثنائية على إدارة الوقت؟ أم خبرة طويلة في التعامل مع المسؤوليات؟ أم أن الأمر يرتبط، قبل كل شيء، بإحساس عميق بأن المنصب ليس امتيازًا فحسب، بل أمانة تفرض على صاحبها أن يكون حاضرًا حيث تقتضي المسؤولية؟
ربما تكمن الإجابة في اجتماع هذه العوامل كلها. فالوقت، في نهاية المطاف، واحد للجميع، لكن طريقة التعامل معه تختلف من شخص إلى آخر. وما يبدو لافتًا في هذه المشاهد ليس مجرد تعدد المواعيد، بل تنوع ما تتطلبه من حضور ذهني وإنساني ورسمي.
فليس من السهل أن ينتقل المرء بين مشاعر الحزن في بيت عزاء، ومتطلبات اللقاءات السياسية، وأجواء الفعاليات الرسمية، وأن يمنح كل محطة ما تستحقه من اهتمام. ولكل مقام مقتضياته، ولكل مسؤولية حساباتها، ولكل لقاء رسالته.
ولعلّ ما يدفعني إلى هذا التساؤل هو أنني، مثل كثيرين، اعتدت أن أقيس اليوم بما أنجزه الإنسان خلال ساعاته، لكن متابعة هذه المشاهد تجعلني أتساءل عن أمر أبعد من عدد الساعات: كيف يستطيع صاحب المسؤوليات المتعددة أن يوزع حضوره بين كل هذه الميادين؟
فالملك لا يتحرك في فراغ، ولا تقتصر مسؤولياته على ما تلتقطه الكاميرات. خلف كل ظهور ملفات تحتاج إلى متابعة، وقرارات تحتاج إلى دراسة، واتصالات ومشاورات واستحقاقات لا تظهر كلها للناس. وما نراه في الصور ليس سوى جانب من مشهد أوسع تتداخل فيه مسؤوليات الدولة مع واجبات القيادة.
وليس المقصود أن كثرة الظهور وحدها مقياس الإنجاز، أو أن تعدد المواعيد يغني عن النظر في نتائجها؛ فلكل مسؤولية معيارها، ولكل عمل أثره الذي ينبغي أن يُقاس بما يحققه. لكن من حق المتابع، وهو يرى هذا التنقل بين محطات متباينة، أن يتوقف أمام القدرة على الجمع بينها، وأن يتساءل عن سر هذا النشاط المتواصل.
إنها دهشة لا تنبع من صورة واحدة، بل من اجتماع الصور في الذهن: الملك في الكرك مواسيًا أهل الشهداء، والملك مستقبِلًا ضيفًا، والملك اليوم في العقبة في مناسبة رسمية. وبين هذه المشاهد تتسع مساحة السؤال، ويصبح الوقت نفسه موضوعًا للتأمل.
فكم من مسؤول يشكو ضيق الوقت أمام مهمتين أو ثلاث، وكم من إنسان يؤجل واجباته لأن يومه لا يتسع لها. أما حين نتابع مسؤوليات الملك وتعدد محطاته، فإننا نجد أنفسنا أمام سؤال مشروع: ما الذي يجعل بعض الناس أكثر قدرة على تنظيم وقتهم، وأكثر استعدادًا لتحمل أعباء يومهم، مهما تعددت واجباتهم؟
قد لا تكون هناك إجابة واحدة، وقد لا تكفي الكلمات لتفسير كل ما نراه. لكن المؤكد أن إدارة المسؤولية لا تتعلق بالوقت وحده، بل أيضًا بالأولويات، والاستعداد، والقدرة على التمييز بين ما يمكن تأجيله وما لا يحتمل التأجيل.
وفي النهاية، تبقى الصور الثلاث أكثر من لقطات عابرة؛ إنها مشاهد تختصر تنوع الأدوار التي يفرضها موقع الملك، وتعيدنا إلى السؤال الذي بدأت به: كيف يتّسع يوم واحد لكل هذا؟
ولعلّ الإجابة الأهم ليست في عدد الساعات، بل في الطريقة التي تُمنح بها كل مسؤولية حقها، وفي إدراك أن وراء كل موعد واجبًا، ووراء كل حضور غاية، ووراء كل موقع أمانة.
هذا ليس ملكًا فحسب؛ بل رجل تتعدد مسؤولياته بتعدد وجوه الحياة التي يتعين عليه أن يكون حاضرًا فيها، ويبقى السؤال الذي يستحق التأمل: من أين يأتي بكل هذا الوقت؟