(على هامش لقائي برئيس لجنة التوجيه الوطني والإعلام في مجلس النواب الأردني الزميل الودود د.حسين العموش..الإحد 11 أكتوبر 2026 .. عمان كما أراها )
في عمّان، ثمة أمكنة لا تكبر في الجغرافيا وحدها، بل تكبر في الذاكرة أيضاً. أمكنة كلما ابتعدنا عنها، اقتربت منها الروح، وكلما تغيّرت ملامحها، ازدادت حاجتنا إلى استعادتها، كأننا نبحث بين حجارتها القديمة عن وجوهنا الأولى، وعن شيء من أعمارنا التي تركناها هناك ومضينا.
سقف السيل واحد من تلك الأمكنة التي لا يمكن المرور بها مروراً عابراً. ليس مجرد شارع تجاري في وسط البلد، ولا مجرد امتداد عمراني غطّى مجرى سيل عمّان القديم، بل حكاية مدينة كانت تتشكّل على مهل، وتكبر بألفة أهلها، وتعرف أبناءها من وقع خطواتهم، ومن أصواتهم، ومن طريقتهم في السلام والسؤال والشراء والانتظار.
كان السيل مكشوفاً ذات يوم، تجري مياهه بين ضفتي المكان، قبل أن تغطيه المدينة وتتبدل ملامح المنطقة، لتصبح سقف السيل مساحة تجارية مزدحمة، تحمل في تفاصيلها حكايات الماء والحجر والبشر. لكن الماء، وإن غاب عن العيون، لم يغادر الذاكرة؛ بقي حاضراً في أحاديث الذين عرفوا عمّان القديمة، وفي صور الدكاكين ووجوه الباعة وأيام كانت فيها المدينة أقل ضجيجاً، وأكثر ألفة.
سقف السيل ليس شارعاً فقط؛ إنه ذاكرة تمشي بين الناس.
ومن هناك، نقترب من سوق السكر، ذلك العالم الشعبي القريب من المسجد الحسيني، حيث تتجاور البضائع والأصوات والألوان، وتختلط حركة البيع والشراء بتفاصيل الحياة اليومية. سوق ارتبط بذاكرة أجيال عرفته مكاناً للرزق واللقاء وتدبير شؤون البيت، وصار اسمه جزءاً من حكاية عمّان وأسواقها القديمة.
في هذه الأمكنة، لم تكن التجارة أرقاماً وحسابات فحسب، بل علاقة إنسانية. يعرف التاجر زبونه، ويعرف الزبون طريقه إلى الدكان الذي اعتاد قصده، وتختصر التحية أحياناً حديثاً طويلاً عن الغياب والأحوال والرزق. كانت الأسواق تشبه بيوتاً واسعة بلا أبواب؛ يدخلها الغريب فيجد من يدله، ويمر بها العابر فيكتشف أن المدن لا تُقاس بارتفاع أبنيتها، بل بما تمنحه للإنسان من شعور بالانتماء.
وكلما مشيت في وسط البلد، وجدتني أبحث عن تفاصيل صغيرة توقظ الذاكرة. أتوقف عند كشك للصحف والمجلات والكتب، أتصفح العناوين، وأتأمل رائحة الورق التي تعيدني إلى زمن كانت فيه الصحيفة موعداً صباحياً، وكانت المجلة نافذة على العالم، وكان الكتاب صديقاً يمكن أن نصادفه على رف متواضع أو في زاوية شارع.
ذلك الكشك ليس تفصيلاً عابراً؛ إنه نافذة على زمن كانت فيه الكلمة المطبوعة تمنح القارئ فرصة للتأمل، قبل أن تتزاحم الأخبار على الشاشات وتختفي العناوين بعد ثوانٍ من ظهورها.
أمضي قليلاً، ثم أجلس على مقعد حجري في وسط البلد، أتناول حصتي من الكنافة النابلسية. لا أعرف إن كانت الحلاوة في طعمها وحده، أم في المكان الذي أتناولها فيه، أم في ذلك الشعور الذي يتسلل إلى القلب حين تجلس بين الناس من دون موعد، وتراقب المدينة وهي تعيش يومها العادي.
وجوه عابرة، وأحاديث متقطعة، وأصوات باعة، وخطوات متعجلة وأخرى تمشي على مهل. كل شيء يبدو عادياً، لكنه في الذاكرة يتحول إلى مشهد يستحق أن يُروى. فالكنافة هنا ليست مجرد حلوى، بل جزء من طقس عمّاني شعبي، يمنحك لحظة فرح بسيطة، ويذكّرك بأن السعادة قد تكون في مقعد حجري وقطعة كنافة وشارع تعرفه قدماك قبل أن تتذكره عيناك.
وبالقرب من المقعد، أجلس إلى جانب بائع ورد، يعرض أزهاره بألوان شتى. الوردة بنصف دينار، ولكل لون حكاية، ولكل زهرة قدرة صغيرة على أن تجعل النهار أكثر لطفاً. أتأمل البائع وهو ينتظر من يشتري منه وردة، فأشعر أن وسط البلد لا يزال يحتفظ بأسبابه البسيطة للفرح. هنا، لا تحتاج إلى كثير من المال كي تشتري لحظة جميلة، ولا إلى مناسبة كي تهدي وردة؛ يكفي أن تتوقف قليلاً، وأن ترى في هذا البائع البسيط وفي ألوان أزهاره وجهاً آخر لروح المدينة.
هذه التفاصيل هي التي تجعل عمّان القديمة تقاوم النسيان بطريقتها الخاصة. تظهر في كشك صحف يواصل فتح أبوابه، وفي دكان قديم لا يزال صاحبه يمارس عمله، وفي سوق يستقبل زبائنه، وفي بائع ورد ينتظر رزقه بين المارة. إنها ثقافة المكان، التي لا تُكتب في الكتب وحدها، بل تُقرأ في سلوك الناس وطرائق عيشهم وقدرتهم على صناعة الألفة من تفاصيل صغيرة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا يبقى من المدن حين تتغير أسواقها، وتختفي بعض ملامحها الأولى؟ وهل يكفي أن نحافظ على الأبنية والشوارع، أم أن التراث الحقيقي هو الإنسان الذي يمنح المكان روحه؟
إن حماية الأسواق القديمة لا تعني تجميد الحياة فيها أو تحويلها إلى مشهد سياحي جامد، بل منحها فرصة للتطور من دون أن تفقد ذاكرتها. تعني الحفاظ على حق التاجر الصغير في البقاء، وعلى الحرف الشعبية، وعلى المباني القديمة، وعلى حق الناس في مدينة لا تُختزل في الإسمنت والزجاج والمشروعات الحديثة.
فقد نجد ذات يوم عمراناً جديداً جميلاً في صورته، لكنه بارد في روحه، لا يعرف أسماء الذين مروا من هنا، ولا يسمع أصواتهم التي بقيت عالقة في حجارة المكان.
عمّان ليست جبل القلعة ومدرجها الروماني ومبانيها الحديثة وحدها؛ إنها أيضاً دكاكين سقف السيل، وممرات سوق السكر، وأكشاك الصحف والكتب، ومقاعدها الحجرية، ورائحة الكنافة النابلسية، ووردة بنصف دينار، وأصوات الباعة وخطوات الذين قصدوا وسط البلد بحثاً عن حاجة بسيطة، فعادوا بذكريات كثيرة.
سقف السيل وسوق السكر ليسا حكاية ماضٍ انقضى، بل سؤال عن المستقبل: كيف نبني مدينة حديثة من دون أن نهدم ذاكرتها؟
لأن المدن، في نهاية المطاف، لا تعيش بما تبنيه فقط، بل بما تتذكره أيضاً.