لندن: محمد الطّورة
قسماً إننا نحب الأردن مثلكم، ونحب قيادته الهاشمية وشعبه، ونؤمن بأن خدمة هذا الوطن لا تنتهي بانتهاء الوظيفة أو مغادرة الموقع الرسمي، بل تستمر بالعمل والعطاء والاستثمار وبناء المؤسسات.
ومن هذا الحب والانتماء، نطرح اليوم تساؤلاً نأمل أن يجد آذاناً صاغية لدى “الدائرة والهيئة” المعنيتين بتنظيم القطاع الإعلامي: لماذا يجد بعض أصحاب الأفكار والمبادرات الإعلامية أنفسهم أمام إجراءات وعقبات قد تجعل تأسيس مشروعهم في الأردن رحلة طويلة ومعقدة، بدلاً من أن تكون بداية مشجعة للاستثمار والإنتاج؟
إن تأسيس مؤسسة إعلامية لا ينبغي أن يكون مجرد معاملة للحصول على ترخيص، بل خطوة أولى نحو صناعة إعلامية قادرة على توفير فرص العمل، واستقطاب الكفاءات، وتعزيز حضور الإعلام الأردني. وهذا يتطلب إجراءات واضحة، ومدداً زمنية محددة، ومعايير معلنة، وتعاملاً مؤسسياً يمنح الأفكار الجادة فرصة عادلة للدراسة والتقييم.
أليس من حق من خدم الوطن في السر والعلن، وأمضى سنوات من عمره في خدمة الأردن ومؤسساته الرسمية في الداخل والخارج، وكان قريباً بحكم طبيعة عمله من الأسرة الهاشمية الكريمة وكبار رجال الدولة، وقريباً من أبناء الوطن وهمومهم، أن يجد في وطنه بيئة تساعده على توظيف خبرته ومعرفته في مشروع يخدم الاقتصاد والإعلام والمجتمع؟
نحن لا نستحضر سنوات الخدمة طلباً لامتياز أو معاملة خاصة، ولا نطالب بإعفاء من القانون أو تجاوز للأنظمة. بل نؤمن بأن الجميع متساوون أمام القانون، وأن الرقابة ضرورة لحماية المصلحة العامة. لكن الرقابة لا تتعارض مع الثقة، والتنظيم لا ينبغي أن يتحول إلى عائق أمام المبادرات الجادة.
وحين تصبح الإجراءات مرهقة أو غير واضحة، قد يفكر المستثمر في نقل مشروعه إلى خارج الأردن، لا رغبةً في الابتعاد عن وطنه، بل بحثاً عن بيئة أكثر وضوحاً وقدرة على تحويل الفكرة إلى واقع. وعندها لا تكون الخسارة مجرد مشروع لم يُنشأ، بل فرصة عمل وخبرة واستثمار كان يمكن أن تسهم جميعها في دعم الاقتصاد الوطني.
ما نريده من العاملين في “الدائرة والهيئة” ليس أكثر من إجراءات شفافة، ومعايير واضحة، وسرعة معقولة في إنجاز المعاملات، وقنوات للحوار مع المستثمرين وأصحاب المبادرات. نريد أن تُناقش الأفكار وفق جدواها والتزامها بالقانون، لا أن تُثقل بالشكوك أو الأحكام المسبقة قبل أن تأخذ فرصتها.
إن الأردن الذي نحب قيادته ونعتز بمؤسساته يستحق أن يكون بيئة جاذبة لأبنائه، وأن يجد المستثمر فيه ما يشجعه على البقاء والبناء، لا ما يدفعه إلى البحث عن فرص خارج حدوده.
نكتب هذه الكلمات من باب الحرص لا الخصومة، ومن باب الأمل لا الاتهام. فهدفنا ليس انتقاد المؤسسات لذاتها، بل الدعوة إلى تطوير إجراءاتها وتعزيز الثقة بينها وبين المواطنين والمستثمرين.
نحب الأردن، ونريد أن نبني فيه، وأن تبقى أحلام أبنائه ومشروعاتهم جزءاً من مستقبله. فهل نمنح هذه الأحلام فرصة عادلة؟