بقلم: محمد الطّورة – لندن
لماذا يختار الأنسان العيش في دولة الإمارات العربية المتحدة؟
هناك أوطان نعيش فيها، وأوطان تعيش فينا، تبقى حاضرة في الذاكرة مهما ابتعدنا عنها، وتستدعيها الأيام كلما مرّت السنوات. ودولة الإمارات العربية المتحدة بالنسبة لي ليست مجرد بلد عشت وعملت فيه خلال مرحلة من حياتي، بل تجربة إنسانية ومهنية تركت في نفسي أثراً عميقاً، وظلت حاضرة في وجداني رغم مرور العقود.
الإمارات… مسيرة بناء ورؤية للمستقبل
تقف دولة الإمارات العربية المتحدة اليوم بين الدول المتقدمة في العالم، بما حققته من تطور وازدهار في مختلف المجالات، وما أصبحت تتمتع به من حضور إقليمي ودولي ومكانة اقتصادية وتنموية بارزة. ولم تأتِ هذه المسيرة من فراغ، بل كانت ثمرة رؤية طموحة، وإرادة راسخة، وعمل متواصل على بناء الإنسان والمؤسسات وصناعة المستقبل.
وتتواصل هذه المسيرة بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وإخوانهما أصحاب السمو حكام الإمارات، الذين يواصلون مسيرة التنمية والتطوير، مستلهمين إرث الآباء المؤسسين، وحريصين على تعزيز مكانة الدولة ومواصلة إنجازاتها.
وعندما نتحدث عن الإمارات الحديثة، لا يمكن أن نغفل الدور التاريخي للمغفور لهما بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمهما الله، وإخوانهما حكام الإمارات، الذين امتلكوا الرؤية والإرادة والشجاعة في اتخاذ القرار، فأسسوا اتحاداً جمع الإمارات في دولة واحدة، ووضعوا اللبنات الأولى لمسيرة تجاوزت طموحاتها حدود الإمكانات المتاحة في سنوات التأسيس.
لقد أدرك هؤلاء القادة أن بناء الدولة لا يقوم على الثروة وحدها، بل على الاستثمار في الإنسان، وترسيخ الاستقرار، وتوفير التعليم والخدمات، وبناء المؤسسات، وفتح أبواب المستقبل أمام الأجيال. ومن هنا، أصبحت التجربة الإماراتية مثالاً على ما يمكن أن تحققه الرؤية الواضحة حين تقترن بالعمل والتخطيط والإصرار.
ولعل ما يميز هذه التجربة ليس التطور العمراني والاقتصادي فحسب، بل قدرتها على الجمع بين الانفتاح على العالم والاعتزاز بالهوية الوطنية، وبين المحافظة على القيم الأصيلة ومواكبة متطلبات العصر.
أما علاقتي بهذه الدولة، فلا تقوم على متابعة إنجازاتها من بعيد فقط؛ فأنا أحمل معها حكاية شخصية بدأت منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، عندما عشت وعملت على أرضها، وشهدت جانباً من بدايات نهضتها، وتعرفت إلى أهلها الذين تركوا في نفسي ذكريات لا يمحوها الزمن.
سويحان… حيث أصبحت الغربة وطناً
تعود علاقتي بالإمارات إلى أواخر سبعينيات القرن الماضي، عندما أتيحت لي فرصة العمل في أبوظبي ضمن الدائرة الخاصة للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في مرحلة كانت الدولة فيها تخطو خطواتها الأولى نحو بناء حاضرها وصناعة مستقبلها.
وكان جانب مهم من عملي وحياتي آنذاك مرتبطاً بمنطقة سويحان، حيث عملت بمعية المغفور له بإذن الله سيف بن معضد المشغوني، المعروف بـ«أبو معضد»، حاكم المنطقة في ذلك الوقت.
لم تكن سويحان بالنسبة لي مجرد مكان للعمل والإقامة، بل أصبحت جزءاً من حياتي وذاكرتي. عشت بين أهلها، ودخلت مجالسهم وبيوتهم، وشاركتهم مناسباتهم، وتكوّنت بيننا علاقات إنسانية بقي أثرها في نفسي حتى اليوم.
أتذكر كثيراً من أهل سويحان الذين جمعتني بهم تلك المرحلة، كما أتذكر زملائي في العمل من الإماراتيين والعرب وغيرهم من الجنسيات، الذين أحاطوني بالكرم وحسن المعاملة، وعاملوني كواحد منهم، رغم أنني كنت بعيداً عن أهلي وموطني.
لقد اكتشفت بينهم أن الغربة ليست دائماً شعوراً بالوحدة، وأن الإنسان قد يجد في مجتمع بعيد عن موطنه دفء الأسرة وصدق الأخوة. وهذه من أجمل الذكريات التي بقيت معي، ومن أهم الأسباب التي جعلت علاقتي بالإمارات تتجاوز حدود العمل والإقامة.
أبو معضد ، أبو هاشم ، أبو إيهاب … موقف لا ينسى
من أكثر الشخصيات التي ارتبطت بها ذاكرتي المغفور له بإذن الله سيف بن معضد المشغوني، «أبو معضد»، الذي عاملني كأحد أبنائه، ولم يجعل العلاقة بيننا تقف عند حدود المسؤول والموظف.
ولا أنسى موقفاً إنسانياً منه ما زال حاضراً في ذاكرتي. فقد مرضت ذات يوم وأنا في مقر عملي، وعندما علم أبو معضد بمرضي، جاءني إلى مكان سكني بنفسه، حاملاً الطعام للاطمئنان عليّ ومؤانستي.
قد يبدو الموقف بسيطاً لمن يسمعه اليوم، لكنه بالنسبة إلى شاب يعيش بعيداً عن أسرته كان يعني الكثير. شعرت يومها أنني أمام رجل يراني واحداً من أبنائه، لا مجرد شخص يعمل معه.
رحم الله أبا معضد؛ فقد كان من أولئك الرجال الذين تبقى سيرتهم حاضرة في النفوس، لأن أثرهم الإنساني لا ينتهي برحيلهم.
كما لا يمكنني الحديث عن تلك السنوات دون ذكر السيد عبدالله الهاشمي، «أبو هاشم»، مدير الدائرة الخاصة آنذاك، الذي كان بالنسبة لي أكثر من مدير، بل بمثابة الأب الحاني، وجدت لديه الاهتمام والنصيحة والتوجيه.
ولا أنسى كذلك أخي الذي لم تلده أمي، محمد غالب درويش أبو إيهاب، أول شخص قابلته في الدائرة الخاصة، والذي أخذ بيدي منذ اللحظة الأولى، وامتدت علاقتي به من ذلك الوقت حتى يومنا هذا.
هذه الشخصيات ليست مجرد أسماء في سجل الذكريات، بل نماذج للوفاء والكرم والعلاقات الإنسانية التي منحت سنوات غربتي معنى مختلفاً، وجعلت الإمارات تحتل مكانة خاصة في قلبي.
الرطب… نافذتي إلى قصر الشيخ زايد
ومن الذكريات التي أعتز بها أن أبا معضد كان يكلفني أحياناً التوجه إلى قصر المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لتوصيل الرطب من مزارعه في سويحان.
كانت المهمة بسيطة في ظاهرها، لكنها كانت تمنحني سعادة خاصة؛ لأنها أتاحت لي فرصة الاقتراب من قائد كنت أرى أثر رؤيته في تفاصيل الدولة التي كانت تنمو أمام أعيننا.
ومن خلال ما عايشته آنذاك، بقيت في ذاكرتي صورة الشيخ زايد، رحمه الله، بما عكسته تجربتي من قرب القيادة من الناس واهتمامها بأحوالهم. وبالنسبة إلى شاب عربي كان يعيش ويعمل في الإمارات، كانت تلك التجربة مؤثرة، إذ شعرت بأنني أعيش جزءاً من مرحلة تاريخية في بناء دولة جديدة.
واليوم، وبعد مرور أكثر من أربعة عقود، أدرك قيمة تلك اللحظات أكثر مما كنت أدركها في ذلك الوقت. فلم أكن أشهد مجرد بدايات عمرانية أو إدارية، بل كنت أعيش مرحلة تأسيس دولة امتلكت رؤية بعيدة المدى، وواصلت البناء حتى وصلت إلى مكانتها الحالية.
نهضة لم يصنعها النفط وحده
كانت الإمارات في أواخر السبعينيات دولة فتية، وكانت خطوات البناء تجري أمام أعيننا. رأينا الطرق والمرافق والخدمات تتوسع، والمؤسسات تتشكل، والمناطق والمدن تتغير تدريجياً.
لكن أكثر ما لفت انتباهي كان الاهتمام بالإنسان، والإيمان بأن ثروات البلاد ينبغي أن تنعكس على حياة أهلها، وأن التنمية الحقيقية لا تكتمل إلا بالأمن والاستقرار والحياة الكريمة والفرص التي تمكن الإنسان من المشاركة في بناء وطنه.
ومن هنا، لم تكن النهضة الإماراتية في نظري نتيجة النفط وحده، رغم أهميته في توفير الموارد والإمكانات، بل كانت ثمرة رؤية وإرادة وتخطيط واستثمار في الإنسان.
لقد أسس الشيخ زايد والشيخ راشد، رحمهما الله، وإخوانهما حكام الإمارات، مشروع الاتحاد على الإيمان بقدرة الإمارات على بناء مستقبل مشترك، وجعلوا من التعاون والوحدة أساساً لدولة حديثة. ثم جاءت الأجيال اللاحقة من القيادة لتواصل المسيرة، وتوسع آفاق التنمية، وتستفيد من الخبرات العالمية، وتواجه تحديات المستقبل بطموح متجدد.
وهذا الامتداد بين مرحلة التأسيس والحاضر هو ما يجعلني أرى في الإمارات تجربة تستحق المتابعة والتوثيق، ليس بسبب ما حققته من إنجازات فحسب، بل أيضاً بسبب القيم التي صاحبت مسيرتها: الاهتمام بالإنسان، والانفتاح، والاعتزاز بالهوية، والسعي المستمر نحو الأفضل.
غادرت الإمارات… لكنها لم تغادرني
في بداية تسعينيات القرن الماضي، غادرت الإمارات إلى بريطانيا لظروف عائلية وحياتية خاصة، واستقررت فيها، وبنيت حياة وأسرة، وواصلت تجربتي المهنية والإعلامية.
لكن الإمارات بقيت حاضرة في وجداني. لم تنقطع زياراتي إليها، ولم ينقطع تواصلي مع أهلها وأصدقائي ومعارفي فيها. وكلما عدت إليها، كنت أرى دولة تتقدم وتتغير، وفي الوقت نفسه أبحث عن الإمارات التي عرفتها في شبابي.
وكنت أجدها في الناس، وفي المجالس، وفي الكرم، وفي العلاقات الإنسانية التي بقيت حية رغم مرور السنوات.
لقد أدركت أن الإنسان قد يغادر المكان بجسده، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يغادر ما تركه ذلك المكان في داخله. فبعض الأماكن تصبح جزءاً من تكوين الإنسان، وتبقى حاضرة في قراراته وخياراته، حتى بعد سنوات طويلة من الابتعاد عنها.
لماذا أريد العودة؟
بعد أكثر من أربعة عقود على بداية علاقتي بالإمارات، لم تعد فكرة العودة مجرد حنين إلى الماضي، بل أصبحت قراراً أطمح من خلاله إلى بدء مرحلة جديدة من حياتي.
لقد عقدت العزم على العودة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة للاستقرار فيها، ومواصلة عملي الإعلامي من أرضها، مستفيداً مما اكتسبته من خبرات خلال سنوات طويلة من الحياة والعمل والإعلام.
لقد أسست في لندن موقع «العموم نيوز»، وأطمح إلى أن تكون الإمارات قاعدة جديدة لمواصلة رسالتي الإعلامية، من خلال متابعة ما تشهده الدولة من تطور وإنجازات، والتعريف بمبادراتها ومواقفها تجاه القضايا العربية، وتسليط الضوء على تجربتها التنموية من واقع المعايشة والمتابعة.
وأؤمن بأن الإعلام ليس مجرد نقل للأخبار، بل مسؤولية في توثيق المرحلة، وتقديم المعلومات بمهنية وموضوعية، وفتح مساحات للحوار، وبناء جسور التواصل بين الشعوب.
ومن هنا، فإن رغبتي في العودة لا تعني استعادة الماضي فحسب، بل التطلع إلى مستقبل أستطيع فيه توظيف خبرتي الإعلامية في خدمة عملي، والتعريف بالإمارات عن قرب، ونقل صورة تجربتها إلى القارئ العربي بمسؤولية ومصداقية.
رد الجميل بالكلمة والقلم
كل إنسان يحمل في حياته أماكن وأشخاصاً يدين لهم بشيء. وأنا أدين للإمارات بسنوات جميلة من حياتي، وبصداقات بقيت رغم مرور الزمن، وبخبرات مهنية وإنسانية أسهمت في تكويني، وبذكريات لا تزال حاضرة بكل تفاصيلها.
ولا يستطيع الإنسان أن يرد كل ما تلقاه من محبة وكرم واحتضان، لكنه يستطيع أن يحاول، وأن يجعل من عمله وسيلة للتعبير عن الوفاء.
أريد أن أكتب عن الإمارات من معرفة وتجربة، لا من بعيد، وأن أنقل إلى القارئ العربي ما أراه وأتابعه من تطورات وإنجازات، وأن أساهم في إبراز تجربتها ومبادراتها، مع الالتزام بالمهنية والموضوعية والمسؤولية الإعلامية.
فالكلمة الصادقة تستطيع أن توثق مرحلة، وتعرّف الناس بتجارب الآخرين، وتقرّب المسافات بين الشعوب. وأرى أن مواصلة عملي الإعلامي من الإمارات ستكون فرصة للجمع بين خبرتي المهنية وعلاقتي الإنسانية والتاريخية بهذا البلد.
الإمارات… عودة القلب والقلم
قد يبدو عنوان هذا المقال سؤالاً عن أسباب اختيار بلد للعيش فيه، لكن إجابتي ليست اقتصادية أو مهنية فقط. فالاختيار يرتبط بالأمان والاستقرار، والبيئة الاجتماعية، وفرص العمل، وجودة الحياة، والعلاقات الإنسانية، والشعور بالانتماء.
وعندما أنظر إلى علاقتي بالإمارات، أجد أنني لم أخترها اليوم للمرة الأولى؛ فقد بدأت هذه العلاقة منذ أواخر السبعينيات، حين عشت بين أهلها، وعملت معهم، واكتسبت ذكريات لم تمحها سنوات الغياب.
واليوم أختار العودة إليها عن قناعة ووعي، لا هرباً من مكان، بل إقبالاً على مكان أحمل له محبة خاصة. ستظل بريطانيا جزءاً مهماً من حياتي وتجربتي، وسأظل أقدر السنوات التي عشتها فيها، لكن الإمارات بقيت بالنسبة لي وطناً عربياً ترك في نفسي أثراً عميقاً.
عندما أستعيد تلك السنوات، أتذكر أبا معضد، رحمه الله، وموقفه الإنساني الذي لم أنسه، وأتذكر أبا هاشم، ومحمد غالب درويش، وأهل سويحان، والمجالس والوجوه التي احتضنتني وأنا بعيد عن أهلي. وأتذكر تلك المهمات التي كانت تأخذني إلى قصر الشيخ زايد لتوصيل الرطب من مزارعه في سويحان، فأشعر اليوم بقيمة تلك الذكريات أكثر من أي وقت مضى.
وأتذكر الإمارات وهي تبدأ مسيرتها، دولة فتية تحمل مشروعاً كبيراً وطموحاً واسعاً، ثم أنظر إليها اليوم فأرى دولة قطعت أشواطاً كبيرة في التطور والازدهار، وواصلت بناء مستقبلها مستندة إلى إرث مؤسسيها ورؤية قادتها وجهود أبنائها.
إن رغبتي في العودة هي، في جانب منها، رغبة في أن أكون قريباً من هذه المرحلة الجديدة، وأن أواصل عملي الإعلامي من أرض الإمارات، وأن أساهم بما أستطيع في توثيق تجربتها والتعريف بإنجازاتها، ورد بعض الجميل لمكان احتضنني في مرحلة مبكرة من حياتي.
أعود إليها بخبرة رجل أمضى سنوات طويلة في الحياة والعمل العام، مؤمناً بأن للكلمة دوراً، وأن القلم مسؤولية، وأن الإعلام عندما يتحلى بالصدق والمهنية يمكن أن يكون شريكاً في التعريف بالإنجاز وتوثيق المرحلة وبناء جسور التواصل بين الشعوب.
أعود إلى الإمارات لأعيش، وأعمل، وأكتب، وأرد بعض الجميل.
فالإمارات بالنسبة لي ليست مجرد دولة اخترتها للعيش فيها، وإنما وطن بقي حاضراً في ذاكرتي ووجداني، مهما ابتعدت عنه المسافات.
غادرت الإمارات بجسدي قبل عقود، لكن قلبي بقي فيها… واليوم أعود إليها بالقلب والقلم معاً.