الأستاذ راتب النوايسة
لندن: محمد الطّورة
رسالة نوبل: «القانون في مواجهة القوة»… حين ينتصر الحق وتُصان كرامة الإنسان
ليست كل أشكال القتل تُنهي الحياة، فثمة ممارسات قد تقتل الأمل، وتُنهك الإنسان، وتصادر شعوره بالأمان والعدالة، حين تُستعمل السلطة على نحوٍ يمسّ حقوقه أو ينتقص من كرامته. وهنا تبرز قيمة القانون، بوصفه الحصن الأخير في مواجهة تغوّل القوة، والضمانة التي تتيح للإنسان أن يسترد حقه دون أن يضطر إلى امتلاك قوة تضاهي القوة التي واجهته.
انطلاقاً من هذه الفكرة، ومن مقولة «القانون في مواجهة القوة»، أجدني، بصفتي مواطناً أردنياً، معنياً بأن أروي تجربة شخصية تجاوز أثرها حدود تجربتي الفردية، لتلامس قضية عامة تتصل بسيادة القانون، وحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن في مواجهة أي تعسف محتمل في استعمال الصلاحيات.
لقد تعرضتُ، خلال مسار للمطالبة بحقوقي، لمواقف شعرتُ فيها بأن بعض الصلاحيات الممنوحة لبعض العاملين في مؤسسات الدولة قد استُخدمت، أو جرى توظيفها، على نحوٍ أفضى إلى الانتقاص من حقوقي، الأمر الذي اضطرني إلى سلوك الطريق القانوني، والاحتكام إلى القضاء، بحثاً عن الإنصاف واستعادة ما اعتقدت أنه حقي المشروع.
وفي خضم هذه التجربة، كان للأستاذ المحامي راتب النوايسة،«أبو محمد»، دورٌ بارز في الدفاع عن حقوقي، مستنداً إلى أدوات القانون، وحُجّة الحق، ومشروعية المطالبة، حتى أفضى المسار القضائي إلى إنصافي وإعادة حقوق سعيت إلى استردادها.
ولعل الدرس الأهم الذي خرجت به من هذه التجربة أن القوة، مهما كان مصدرها، لا ينبغي أن تكون فوق القانون، وأن الصلاحية الممنوحة للموظف العام ليست امتيازاً شخصياً يبيح له المساس بحقوق الناس، بل أمانة قانونية مقيدة بحدود الاختصاص، وغايات المصلحة العامة، ومبادئ المشروعية والمساءلة. فالدولة التي تحترم مواطنيها لا تُقاس قوتها بقدرة مؤسساتها على فرض إرادتها، وإنما بقدرتها على إخضاع ممارساتها لأحكام القانون، وضمان حق كل إنسان في التظلم والإنصاف.
إن انتصار المواطن في قاعة المحكمة لا يعني انتصار شخص على آخر بقدر ما يعني انتصار قاعدة قانونية على ممارسة محل اعتراض، وتأكيداً أن العدالة ليست منحة تُعطى، ولا مكرمة تُنتظر، بل حق أصيل تكفله القواعد القانونية، وتنهض المؤسسات القضائية بحمايته في إطار اختصاصها واستقلالها.
ومن هنا، فإنني أرى في تجربة الأستاذ راتب النوايسة ما يستحق أن يُسلَّط عليه الضوء، لا من باب المجاملة الشخصية، ولا لمجرد الامتنان لمن وقف إلى جانبي، بل باعتبارها مناسبة لإبراز الدور الجوهري الذي يؤديه المحامي حين يجعل من مهنته رسالة للدفاع عن الحقوق، ومن القانون وسيلة لمواجهة اختلال موازين القوة، ومن القضاء طريقاً لاستعادة الاعتبار والإنصاف.
وإذا كانت جائزة نوبل للسلام، في رمزيتها العالمية، تستحضر جهود من يسهمون في خدمة الإنسانية وترسيخ قيم السلام والكرامة والعدالة، فإنني أطرح، من منطلق تجربتي الشخصية وقناعتي بأهمية هذه الرسالة، فكرة ترشيح الأستاذ راتب النوايسة لنيل هذه الجائزة، بوصفها دعوة رمزية إلى الاعتراف بقيمة الدفاع عن الإنسان وحقوقه في مواجهة التعسف، وإلى تكريس مفهوم السلام الذي لا يقتصر على غياب الحروب، بل يمتد ليشمل شعور الإنسان بالأمان على حقه وكرامته وحريته في اللجوء إلى القانون.
ومع إدراكي أن مطالبتي الشخصية، مهما كانت صادقة ونابعة من تجربة عشت تفاصيلها، قد لا تكون وحدها كافية لإيصال هذه الرسالة إلى الجهات المعنية بمنح الجائزة، فإنني أتطلع إلى أن تتجاوز هذه المبادرة حدود الاجتهاد الفردي، لتجد صداها على المستوى الوطني والمؤسسي.
ومن هنا، فإنني أوجّه نداءً إلى الدولة الأردنية، ممثلة بوزارة الخارجية وشؤون المغتربين، وإلى الجهات والهيئات القضائية المختصة، كلٌّ في إطار اختصاصه واستقلاله، للنظر في إمكانية دعم مبادرة ترشيح الأستاذ المحامي راتب النوايسة، «أبو محمد»، لهذه الجائزة، إذا توافرت المبررات والمعايير التي تستند إليها مثل هذه الترشيحات.
إنني لا أطرح هذه الدعوة من باب المجاملة أو ردّ الجميل الشخصي فحسب، بل انطلاقاً من قناعة بأن الدفاع عن الحقوق، وترسيخ سيادة القانون، ومواجهة التعسف بالوسائل القانونية، قيمٌ تستحق أن تحظى بالتقدير على المستوى الوطني والدولي. وإن تبنّي هذه المبادرة، متى وجدت ما يسندها من أسباب موضوعية وإجراءات مستوفية للمعايير المعتمدة، من شأنه أن يمنحها بُعداً وطنياً يتجاوز تجربتي الفردية، ويجعل منها رسالة أردنية تعبّر عن الإيمان بأن كرامة الإنسان وحقوقه ليستا موضع مساومة.
فإذا كان لي، كمواطن أردني، أن أشهد بما عشته من تجربة، فإن للدولة ومؤسساتها، متى اقتنعت بجدوى هذه المبادرة، أن تمنحها بُعداً أوسع، وأن تسهم في إيصال رسالتها إلى المحافل الدولية. وعندئذ، فإن أي تقدير دولي يحظى به الأستاذ راتب النوايسة لن يكون مصدر فخر لشخصه وحده، بل مناسبة اعتزاز لكل أردني يرى في سيادة القانون والعدالة وصون كرامة الإنسان قيماً وطنية وإنسانية تستحق أن تُرفع عالياً.
وأنا على يقين بأن كثيرين قد تكون لهم تجاربهم الخاصة مع منازعات حقوقية أو إدارية شعروا خلالها بأن موازين القوة لم تكن متكافئة بينهم وبين الجهات التي واجهوها. وقد تختلف الوقائع والظروف من حالة إلى أخرى، لكن المبدأ الذي ينبغي أن يجمعنا جميعاً يظل واحداً: لا حصانة لأحد من حكم القانون، ولا يجوز أن تتحول السلطة من أداة لخدمة الناس إلى وسيلة للانتقاص من حقوقهم.
إن أخطر ما قد يتعرض له الإنسان ليس دائماً الاعتداء على جسده، بل أن يُحاصر في حقه، ويُحرم من فرصته في الإنصاف، ويُدفع إلى اليأس من جدوى العدالة. فالمساس بالحقوق قد يترك في النفس جراحاً عميقة، وقد يقوّض الثقة بالمؤسسات إذا غابت المساءلة أو تعذّر الوصول إلى الإنصاف. ولهذا، فإن الدفاع عن الحقوق ليس شأناً فردياً فحسب، بل هو دفاع عن قيمة الإنسان، وعن الثقة بسيادة القانون، وعن استقرار المجتمع وسلامه.
ومن هذا المنطلق، فإن رسالتي ليست دعوة إلى مواجهة القوة بقوة مماثلة، بل إلى مواجهتها بالحجة القانونية، والاحتكام إلى القضاء، والإيمان بأن الحقوق لا تسقط لمجرد أن صاحبها أضعف نفوذاً أو أقل قدرة على التأثير.
إن ترشيح الأستاذ راتب النوايسة، كما أطرحه هنا، هو في جوهره رسالة تتجاوز الشخص إلى المبدأ؛ رسالة تقول إن نصرة المظلوم، وحماية الحقوق، ومقاومة التعسف بالوسائل القانونية، أعمالٌ تستحق التقدير، وإن القانون حين يجد من يحسن الدفاع عنه، ومن يقضي في منازعاته بنزاهة واستقلال، يصبح قوةً للحق في مواجهة كل قوة.
فليكن شعارنا دائماً:
القوة ليست في القدرة على انتزاع حقوق الآخرين، بل في القدرة على احترامها. والعدالة ليست في إخضاع الإنسان لإرادة الأقوى، بل في إخضاع الجميع لحكم القانون.
وإذا كانت نوبل رسالةً إلى الإنسانية، فلتكن هذه رسالتنا: أن كرامة الإنسان لا تُصان بالقوة المجردة، وإنما بقانون عادل، وقضاء مستقل، ومحامٍ يؤمن بأن وراء كل حق إنساناً يستحق الإنصاف.
الأستاذ راتب النوايسة… «أبو محمد»؛ تقديرٌ لرجلٍ سخّر القانون للدفاع عن الحق، ودعوةٌ لأن تبقى العدالة عنواناً لوطنٍ يؤمن بأن الإنسان وكرامته وحقوقه هي الغاية والجوهر.
#القانون_في_مواجهة_القوة
#راتب_النوايسة
#سيادة_القانون
#العدالة_وكرامة_الإنسان
#الأردن