لندن: محمد الطّورة:
حين تتحول السياسة إلى سوق لشراء الولاءات
من روما إلى واشنطن … ومن الهدايا والامتيازات إلى الـ5 آلاف دولار… هل تغيّرت السياسة أم تغيّرت أدواتها؟
قبل ألفي عام تقريباً، كتب الشاعر الروماني “جوفينال” عن سياسة «الخبز والسيرك»: السلطة تستطيع أن تهدئ الجماهير بإطعامها وإلهائها، بدلاً من منحها دولة أفضل.
واليوم يثير وعد دونالد ترامب بمنح كل أميركي بالغ خمسة آلاف دولار إذا حافظ الجمهوريون على سيطرتهم على الكونغرس سؤالاً يتجاوز حدود الولايات المتحدة والانتخابات الأميركية إلى معنى السياسة نفسها: متى تكون الأموال التي توزعها الدولة حقاً للمواطن، ومتى تتحول إلى وسيلة لاستمالته سياسياً؟ وهل يمكن للديمقراطية، مهما بلغت قوة مؤسساتها، أن تنزلق إلى ثقافة يصبح فيها صوت المواطن مرتبطاً بما سيحصل عليه من مال أو منفعة؟
هذا المشهد مألوف لنا في أجزاء من العالم العربي، حيث عرفنا عبر عقود نماذج لسياسيين بنوا نفوذهم من خلال المال والهدايا والوظائف والخدمات والسيارات وغيرها من المنافع. لم تكن الرسالة دائماً صريحة على طريقة «أعطني صوتك وأعطيك المال»، لكنها كانت مفهومة: قف معي، وسأقف مع مصالحك. ومن هنا بدأ أحد أخطر أمراض السياسة، لأن معيار الاختيار لم يعد دائماً الكفاءة والنزاهة والقدرة على إدارة الدولة، بل قدرة السياسي على توزيع المنافع وشراء الولاءات.
ولذلك فإن السؤال المثير اليوم ليس ما إذا كان ترامب يقلد بعض السياسيين العرب حرفياً، فهذا تبسيط لا يمكن إثباته، وإنما ما إذا كانت بعض الممارسات التي كنا نعتبرها دليلاً على تخلف الحياة السياسية في منطقتنا تجد طريقها، بأشكال أكثر حداثة، إلى ديمقراطيات كنا ننظر إليها باعتبارها النموذج الذي ينبغي تقليده.
ربما نكتشف عندها أن المسألة ليست شرقاً يقلد غرباً ولا غرباً يقلد شرقاً، بل مرضاً قديماً في السياسة البشرية: عندما يصبح الوصول إلى السلطة أو البقاء فيها غاية بحد ذاته، يبحث السياسي عن أقصر الطرق إلى الناخب، ولا يوجد طريق أقصر أحياناً من جيبه.
لكن ثمة فرقاً أساسياً يجب ألا نضيعه. ليس كل مال توزعه الحكومة شراءً للأصوات. فالدولة من حقها، بل من واجبها أحياناً، أن تساعد الفقراء، وتدعم المتضررين، وتعيد جزءاً من مواردها إلى المواطنين. المشكلة تبدأ عندما ترتبط المنفعة السياسية، صراحة أو ضمناً، ببقاء حزب أو شخص في السلطة. عندها تتغير العلاقة بين المواطن والدولة؛ فبدلاً من أن يشعر المواطن بأن المال حق نابع من سياسة عامة ومؤسسات، يبدأ بالشعور بأن السياسي هو الذي «أعطاه» المال، وأن عليه أن يرد الجميل في صندوق الاقتراع.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي، لأن الديمقراطية تقوم على المواطن، بينما هذا النوع من السياسة يحاول تحويل المواطن إلى مستهلك. المواطن يسأل: أي دولة ستبني؟ أما المستهلك السياسي فيسأل: ماذا ستعطيني؟ وحين يصبح السؤال الثاني أهم من الأول، تتحول الانتخابات تدريجياً من منافسة بين البرامج والكفاءات إلى سوق للمنافع والوعود.
لقد عرف التاريخ هذه الظاهرة قبلنا جميعاً. في روما القديمة اشتهرت سياسة «الخبز والسيرك»، أي إرضاء الجماهير بالطعام والترفيه بدلاً من إشراكها الحقيقي في شؤون الدولة. تغير الزمن وتغيرت الأدوات، لكن الفكرة لم تختفِ تماماً. فالخبز يمكن أن يصبح شيكاً، والهدية يمكن أن تصبح إعانة، والسيارة يمكن أن تصبح وعداً مالياً، بينما يبقى السؤال واحداً: هل يحصل المواطن على المنفعة لأنها حق له، أم لأن السياسي يريد تحويل حاجته إلى ولاء؟
والأخطر أن شراء الولاء لا يفسد الانتخابات وحدها، بل يفسد مفهوم الكفاءة. فعندما يستطيع شخص الوصول إلى المنصب لأنه الأكثر قدرة على إرضاء الناس بالمنافع، وليس لأنه الأكثر قدرة على إدارة الدولة، تبدأ المؤسسات بدفع الثمن. قد يفوز من يجيد الخطابة ولا يجيد الإدارة، ومن يجيد صناعة الولاءات ولا يجيد صناعة القرار، ومن يعرف كيف يكسب الانتخابات لكنه لا يعرف كيف يبني دولة.
وهكذا نصل إلى المفارقة المؤلمة: قد تكون الانتخابات صحيحة من حيث الإجراءات، لكنها تنتج الشخص غير المناسب للمكان الذي يحتاج إلى الشخص المناسب. فصندوق الاقتراع يمنح الشرعية، لكنه لا يمنح الكفاءة تلقائياً.
لهذا ربما ينبغي ألا نسأل: هل أصبح الأميركيون يقلدون العرب، أم أننا نحن الذين نقلد الغرب؟ فالسؤال الأعمق هو: لماذا يعيد الإنسان إنتاج الأساليب نفسها كلما تحولت السلطة من وسيلة لخدمة المجتمع إلى غاية للبقاء فيها؟
الديمقراطية الحقيقية تبدأ عندما يرفض المواطن أن تتحول حاجته إلى ثمن لصوته، فيقول للسياسي: لا أريد منك سيارة، بل أريد دولة أستطيع فيها شراء سيارتي بعملي؛ لا أريد منك وظيفة لأنني وقفت معك، بل أريد مؤسسة تعطيني الوظيفة لأنني أستحقها؛ ولا أريد مالاً يجعلني مديناً لك، بل اقتصاداً يجعلني مستقلاً عن عطاياك.
وعندها فقط يتغير السؤال الذي يحدد مصير الدول. فبدلاً من أن نسأل السياسي: ماذا ستعطينا إذا انتخبناك؟ نسأله: ماذا تستطيع أن تبني، وهل أنت حقاً الشخص المناسب للمكان المناسب؟
فالمال قد يشتري الرضا لبعض الوقت، والهدايا قد تصنع الولاء لانتخابات واحدة، لكنهما لا يصنعان دولة. والدول لا تنهض بما يوزعه السياسي على الناس قبل الانتخابات، بل بما يبنيه لهم من مؤسسات تبقى بعد أن يرحل هو، وينتهي المال، وتصبح وعود الانتخابات مجرد صفحة أخرى من التاريخ.