11
لندن: كتب المحرر السياسي
في هذه الصورة ما يتجاوز جمال اللحظة إلى معنى أعمق وأبلغ؛ ففي خضم أعباء الملك، وثقل المسؤوليات، وتزاحم الالتزامات، يظل للإنسان مساحةٌ يصونها لمن يشاركه الحياة، ويمنحها لمن يجد في قربه السكينة والأنس.
فإذا كان الملك، بما يحمله من مسؤوليات جسام وما تقتضيه مكانته من انشغالات لا تنتهي، قد وجد من وقته متسعًا ليقتنص لحظةً خاصة مع قرينته، ويوثّق مشهدًا تنطق تفاصيله بالمودة والقرب؛ أفلا يجدر بنا، ونحن أقل انشغالًا وأخفّ تبعة، أن نجد في أيامنا متّسعًا لأسرنا وزوجاتنا ومن نحب؟
إن من أسمى ما يقدمه المرء لأهله ليس المال ولا الهدايا، وإنما أن يمنحهم من وقته وحضوره واهتمامه ما يشعرهم بأنهم في مقدمة أولوياته، وأن صخب الحياة مهما اشتد، ومسؤولياتها مهما تعاظمت، لا تستطيع أن تنتزعهم من المكانة التي يستحقونها في قلبه.
ولعل في هذه الصورة درسًا بليغًا: أن الحياة الخاصة ليست هامشًا على متن الحياة، بل هي موطن السكينة ومبعث المودة وأحد أعمدة الاستقرار. وأن اللحظات التي نقتطعها لأهلنا، مهما بدت يسيرة، قد تصنع في نفوسهم أثرًا عظيمًا، وتغرس في البيت دفئًا لا تصنعه كثرة الأشياء.
فلنقتدِ بهذا المعنى الجميل؛ ولنمنح أسرنا بعضًا من وقتنا قبل أن تمنحنا الحياة أسبابًا كثيرة للندم على أوقات لم نمنحها لمن كانوا أولى الناس بها. فليس أعظم من أن يشعر الزوج أن زوجته أقرب الناس إليه، وأن تشعر الزوجة أن زوجها سندها وموطن أمانها، وأن يجد الأبناء في والديهم قربًا لا تحجبه مشاغل الدنيا.
فالملوك، مهما علت مكانتهم وعظمت مسؤولياتهم، يظلون بشرًا يجدون في دفء الأسرة سكينةً لا تعوّضها مشاغل الدنيا. وإذا كان للملك متّسعٌ للحظة مودة، فحريّ بنا جميعًا أن نتعلم أن أجمل ما نهبه لمن نحب هو: وقتٌ صادق، وحضورٌ كامل، وقلبٌ لا تشغله الدنيا عن أهله.
فالسعادة الحقيقية لا يصنعها المال ولا يمنحها المنصب؛ إنها لحظة إنسانية صادقة، يجد فيها المرء راحته إلى جوار من يحب. وما أجمل أن ندرك جميعًا أن لحظات المودة لا تحتاج إلى ثراء، وإنما تحتاج إلى قلب حاضر ووقتٍ نمنحه لمن يستحقه.”