يشكل العمل الحزبي في الدول الديمقراطية العمود الفقري للحياة السياسية، فهو الأداة التي تُصاغ من خلالها البرامج، وتُفرز القيادات، وتُبنى الحكومات على أساس الأغلبية البرلمانية. أما في الأردن، فقد ظل العمل الحزبي لعقود طويلة يمر بمراحل من المد والجزر، متأثرًا بالظروف السياسية والإقليمية، وأسماء أحزاب لها صلة وثيقة بأسماء مؤسسيها ؛ حتى كانت بعض الأحزاب تنسب إلى أشخاص (حزب فلان) فأنتهت الأحزاب بإنسحاب أسماء مؤسسيها ، إلى أن جاءت منظومة التحديث السياسي لتضع الأحزاب أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر، وتجعلها شريكًا أساسيًا في صناعة المستقبل.
اليوم، لم يعد الحديث عن الأحزاب ترفًا سياسيًا، بل أصبح جزءًا من مشروع الدولة للإصلاح والتحديث، بعد إقرار تشريعات جديدة هدفت إلى تعزيز دور الأحزاب في البرلمان، وتهيئة الطريق أمام حكومات برلمانية حزبية. غير أن القوانين وحدها لا تصنع حياة حزبية ناجحة، فالحزب الحقيقي لا يولد بقرار إداري، ولا يكبر بالنصوص القانونية، وإنما بثقة الناس، وحضوره بينهم، وقدرته على تقديم حلول واقعية لمشكلاتهم.
وخلال فترة زمنية قصيرة، شهدت الساحة السياسية الأردنية ولادة عدد كبير من الأحزاب، بعضها نشأ بسرعة البرق، بقيادات لم تخطر على بال المتابعين للحياة الحزبية في المملكة. وقد رأى كثيرون أن جانبًا من هذه الأحزاب جاء في إطار تشجيع رسمي لإنجاح مشروع التحديث السياسي وإيجاد بيئة حزبية جديدة، بينما تأسس جانب آخر بمبادرات وطنية ذاتية، انطلقت من قناعة أصحابها بأن المرحلة تستوجب المشاركة، لا الوقوف على الهامش. وبين هذا وذاك، يبقى الفيصل هو قدرة كل حزب على إثبات نفسه في الميدان، لأن الأحزاب تُقاس بأدائها وبرامجها، لا بسرعة ولادتها أو هوية مؤسسيها.
ورغم هذا الحراك، ما يزال الشارع الأردني يتعامل مع الأحزاب بحذر. وهذه ليست مسؤولية المواطن وحده، بل هي أيضًا نتيجة تراكمات تاريخية وتجارب لم تنجح في ترسيخ صورة الحزب بوصفه مؤسسة وطنية قادرة على تمثيل الناس والدفاع عن مصالحهم. فالثقة لا تُمنح، وإنما تُبنى بالتواصل، والصدق، والالتزام، والعمل المستمر.
ومن يراقب المشهد الحزبي يلاحظ تفاوتًا كبيرًا بين الأحزاب. فهناك أحزاب بدأت تبني هياكلها التنظيمية، وتنزل إلى المحافظات، وتطرح برامج اقتصادية واجتماعية وسياسية، وتسعى إلى استقطاب الشباب والمرأة والكفاءات. وفي المقابل، ما تزال أحزاب أخرى تعيش في دائرة ضيقة، لا يكاد يُعرف لها نشاط سوى إصدار البيانات كلما اقتضى الحدث ذلك، ثم تغيب عن المشهد حتى مناسبة جديدة. وهذا النمط من العمل لا يصنع حزبًا، ولا يبني ثقة، ولا يؤسس لحياة سياسية ناضجة.
المواطن الأردني لم يعد يبحث عن الشعارات الكبيرة، بل عن إجابات لأسئلة يومية تمس حياته مباشرة: كيف ستواجه الأحزاب البطالة؟ وما رؤيتها لجذب الاستثمار؟ وكيف ستتعامل مع ملفات التعليم والصحة والإدارة المحلية، ومع التحديات الاقتصادية التي تواجه الأسر الأردنية؟ فهذه هي القضايا التي تقرر إن كان الحزب قريبًا من الناس أو بعيدًا عنهم.
كما أن نجاح التجربة الحزبية يتطلب مراجعة داخلية من الأحزاب نفسها. فالديمقراطية تبدأ من داخل الحزب، من تداول القيادة، واحترام الرأي الآخر، وإتاحة الفرصة أمام الشباب والنساء وأصحاب الكفاءة، بعيدًا عن الشخصنة أو احتكار القرار. فالحزب الذي لا يمارس الديمقراطية داخليًا، لن يكون قادرًا على الدفاع عنها في الحياة العامة.
إن مشروع التحديث السياسي منح الأحزاب فرصة تاريخية، لكنه في الوقت نفسه وضعها أمام اختبار صعب. فالسنوات المقبلة ستكون سنوات فرز حقيقي، وستكشف أي الأحزاب جاء ليبقى، وأيها جاء استجابة لمرحلة عابرة. ولن يكون معيار البقاء عدد المؤسسين أو حجم المقرات، وإنما مقدار الحضور في الشارع، والقدرة على بناء الثقة، وتحويل البرامج إلى واقع.
لقد دخل الأردن مرحلة سياسية جديدة، تتطلب من الجميع، دولة وأحزابًا ومواطنين، التعامل مع الحياة الحزبية باعتبارها خيارًا استراتيجيًا لا تجربة مؤقتة. فنجاح هذا المسار يعني تعزيز المشاركة الشعبية، وتطوير الأداء البرلماني، وإنتاج حكومات تستند إلى برامج سياسية واضحة، وهو ما يصب في مصلحة الدولة واستقرارها.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الذي سيجيب عنه الزمن وحده: هل ستنجح الأحزاب الأردنية في التحول إلى مؤسسات وطنية راسخة، أم ستظل أسيرة الأسماء والبيانات والمواسم الانتخابية؟
الأردن لا يحتاج إلى أحزاب أكثر، بل إلى أحزاب أفضل؛ أحزاب تؤمن بأن السياسة مسؤولية وطنية، وأن خدمة المواطن هي معيار النجاح، وأن ثقة الناس تُكتسب بالعمل والإنجاز، لا بالشعارات والوعود. وعندما تصل الأحزاب إلى هذه القناعة، يصبح التحديث السياسي واقعًا يعيشه الأردنيون، لا مجرد مشروع مكتوب في القوانين.

