لندن: كتب المحرر الإقتصادي
الأردن مدعوّ إلى تحرك جاد لاسترداد المال العام وملاحقة الفساد وأصحاب الإثراء غير المشروع
في وقتٍ تمضي فيه بعض الدول بخطوات متقدمة، وإن كانت متأخرة، نحو ملاحقة المتهمين بقضايا الفساد واسترداد الأموال العامة التي هُرّبت إلى الخارج، تبرز الحاجة الملحّة لأن تتعامل السلطات الأردنية المختصة مع ملف حماية المال العام بالقدر نفسه من الجدية والشفافية والاستمرارية.
لقد أعلنت بعض الدول عن استرداد جزء مهم من الأموال المنهوبة، وعن تعاون مع الإنتربول وأجهزة إنفاذ القانون في ملاحقة الفارين، إلى جانب إجراءات تشجيع المواطنين على الإبلاغ عن الأصول والأموال المتحصلة من جرائم الفساد، عبر منح مكافآت مجزية للمبلّغين. وهذه الإجراءات لا تعني أن هذه الدول قد أنهت معاركها مع الفساد، لكنها تؤكد أن الإرادة السياسية الواضحة، والتنسيق القضائي والأمني، وإشراك المجتمع، يمكن أن تحوّل ملف الفساد من شعارات موسمية إلى عمل مؤسسي ملموس.
الأردن، الذي يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية متراكمة، لا يحتمل أي تهاون في حماية المال العام أو أي بطء في التعامل مع شبهات الإثراء غير المشروع، وتضارب المصالح، والتهرب من المساءلة. فكل دينار يُهدر أو يُختلس أو يُنفق خارج إطار القانون هو دينار يُنتزع من حق المواطن في تعليم أفضل، وعلاج كريم، وفرص عمل، وخدمات عامة تليق به.
والأمر في الأردن لا يحتاج، في كثير من الحالات، إلى جهود خارقة أو تحقيقات تبدأ من الصفر. فكما يقال: «حاراتنا ضيقة والكل يعرف بعضه». عندما يقضي موظف سنوات محدودة في الوظيفة العامة، وتبدو رواتبه المعروفة غير كافية لبناء بيت متواضع في إحدى القرى الأردنية، ثم يظهر مالكاً لقصر فخم في منطقة راقية…. من عمّان، أو يمتلك هو وأفراد أسرته سيارات…. باهظة الثمن وأصولاً…. لا تتناسب بوضوح مع دخله المعلن، فإن السؤال الطبيعي والمشروع هو: من أين جاءت هذه الأموال؟
هذا السؤال لا يعني إدانة أي شخص قبل التحقيق، ولا يبرر التشهير أو إطلاق الاتهامات جزافاً، لكنه يفرض على الدولة واجباً قانونياً وأخلاقياً في التحقق. فالأصل أن تكون مصادر الثروة قابلة للتفسير والتوثيق، وأن يكون كل مسؤول أو موظف عام قادراً على بيان مصادر أمواله وأصوله عند وجود مؤشرات جدية على عدم تناسبها مع دخله المشروع.
المطلوب من الجهات الرقابية والقضائية والأمنية في الأردن هو تفعيل مراجعة منهجية واحترافية لملفات الذمة المالية، وربط قواعد البيانات بين دوائر الأراضي والمساحة، ودائرة ترخيص السواقين والمركبات، والسجل التجاري، وسجلات الشركات، والجهات الضريبية، والمؤسسات المالية، ضمن الأطر القانونية التي تحمي الخصوصية وتمنع التعسف. فهذه الجهات قادرة، إذا توفرت الإرادة والصلاحيات والتنسيق، على كشف مسار الأموال ومقارنة الممتلكات والأصول بالدخل المشروع.
كما ينبغي أن تشمل المراجعة الأموال أو العقارات أو الشركات المسجلة بأسماء أقارب أو شركاء أو واجهات تجارية، متى وجدت قرائن قانونية تستدعي ذلك. وإذا ثبت أن مالاً أو أصلاً قد آل إلى أي شخص بغير وجه حق، أو نتيجة استغلال وظيفة عامة أو نفوذ أو فساد، فيجب اتخاذ الإجراءات القضائية اللازمة لمصادرته واسترداده لخزينة الدولة إن كانت تلك الأموال في داخل الوطن أو خارجه، مع محاسبة كل من شارك أو سهّل أو تستر.
إن مكافحة الفساد لا تكتمل بمجرد توقيف أفراد أو فتح ملفات؛ بل تتطلب استرداد الأموال، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، وإصلاح الثغرات التي سمحت بتكرار التجاوزات، وضمان ألا تتحول القضايا الكبرى إلى ملفات منسية مع مرور الوقت.
إن استرداد الأموال والأصول غير المشروعة لا يقتصر أثره على رفد الخزينة العامة وتعويض ما فُقد من موارد، بل يحمل رسالة مهمة إلى المؤسسات الدولية المانحة والدول التي تقدم دعماً للموازنة الأردنية. فكلما أثبت الأردن أن أمواله العامة تُدار بشفافية، وأن أي اعتداء عليها يُلاحق ويُكشف ويُسترد، ازدادت الثقة بكفاءة مؤسساته وجدية إصلاحاته المالية والإدارية. وهذه الثقة قد تعزز فرص الحصول على الدعم والتمويل بشروط أفضل، لأن الشركاء الدوليين يريدون أن يروا إجراءات قابلة للقياس ونتائج حقيقية، لا وعوداً عامة أو خططاً بلا تطبيق.
ما يجري في بعض الدول يجب أن يكون رسالة واضحة: استرداد المال العام ممكن حين تتوفر الإرادة، ولا حصانة لأي شخص أمام القانون. ومن حق الأردنيين أن يروا إجراءات عملية ومعلنة تحمي موارد الدولة، وتعيد الثقة بالمؤسسات، وتؤكد أن العدالة تطبق على الجميع دون استثناء.
إن المال العام ليس ملكاً للحكومات أو المسؤولين، بل هو حق للمواطنين والأجيال القادمة. وحمايته ليست خياراً سياسياً أو حملة إعلامية، بل واجب وطني وقانوني وأخلاقي لا يقبل التأجيل.
الأردنيون لا يطلبون المستحيل؛ بل يطلبون مؤسسات تعمل باستقلال، وقانوناً يطبق على الجميع، ونتائج واضحة تعيد الثقة بأن حماية المال العام ليست شعاراً، بل التزاماً وطنياً لا يقبل التأجيل.

