فراس المجالي
لا طاب عيش الجبناء، ولا سلمت أيدي الذين استباحوا حرمة الموت، واختاروا من لحظات الإنسان أشدها وجعا، ليضيفوا إلى مصاب أهلنا في حمود فاجعة أخرى.
تلقيت نبأ الاعتداء على كنيسة حمود بغصة في القلب وغضب في النفس، شأن أبناء الكرك والأردنيين جميعا، لكن لا خوف على الكرك، فمن عرف أهلها عرف وطنا صقلته الشدائد، وأورثته منعة لا تنال منها رصاصات الغدر.
فأي بطولة يتوهمها من يرفع سلاحه في وجوه رجال ونساء وشيوخ وأطفال عزل، اجتمعوا لوداع عزيز عليهم؟ وأي معتقد يبيح انتهاك حرمة العبادة والدم والجيرة، وملاحقة الحزانى في ساعة مصابهم؟
ما أبعد هذه الوحشية عن أخلاق الكرك التي تحفظ ذاكرتها الشعبية حكاية من «الهيّة» في بداية القرن الماضي، عن فرسان كركيين آثروا تسليم أنفسهم للقوات العثمانية، حتى لا يتعرض جيرانهم المسيحيون الذين آووهم لرصاص الجنود الأتراك بعد ان حاصروا المكان ، ومضى اؤلئك الفرسان إلى إعدام فوري ، تاركين كلمتهم التي اختصرت المروءة كلها: «بينا ولا بيكم».
بهذه الروح تشكلت الكرك، حيث غدت حماية الجار مقياسا للشجاعة، وحيث تقاسمت العشائر المسيحية والمسلمة الأرض والخبز والملح، وتوارثت الجيرة والمصير، وتشاركت الفرح والحزن والدفاع عن الأرض والكرامة.
فالحديث عن التعايش يبدو قاصرا عن وصف حقيقة الأردنيين؛ لأننا أبناء عيش مشترك، ولأن المسيحيين في وجداننا أهل وعشائر وجذور ضاربة في هذه الأرض، قبل أي تصنيف ديني.
لقد تنكر الذين يستبيحون الأرواح باسم المعتقد لقيم الدين والإنسان؛ فالكرك منهم براء، والأردن منهم براء، والعروبة منهم براء، والإسلام منهم براء.
أما الجريمة فستبقى وزر مرتكبيها ومن يثبت تورطه فيها، فلا تحمل عشيرة جناية فرد، ولا يسمح للرصاص بأن يزرع بين الأهل شقاقا عجزت قرون التاريخ عن صنعه؛ فلهذه الأرض ذاكرة أطول من عمر الحقد، وجذور أعمق من أن تقتلعها جريمة.
“بينا ولا بيكم ” يا أهلنا في حمود، ويا أهلنا في الكرك كلها، فمصابكم أوجع قلب الأردن كله، وما نزل ببيوتكم من حزن دخل بيوتنا دون استئذان.
سيُدفن الشهداء بكرامتهم، وسيلاحق القتلة بجرائمهم، وستبقى مآذن المساجد و أجراس الكنائس تروي الحكاية الأردنية ذاتها :
حكاية وطن تعلم أهله أن يتقاسموا الحياة والموت، وأن يقفوا عند الشدائد صفا واحدا، حتى إذا جاء الجبناء ليزرعوا الخوف، وجدوا في كل بيت شجاعة، وفي كل قلب وطنا كاملا.