لندن: محمد الطّورة
عشيرة الطّورة في الشوبك.. تاريخٌ من المجد، ومدرسةٌ في الوفاء، وانتماءٌ لا تحدّه المسافات
لم يكن بيان الاستنكار والإدانة الصادر عن أبناء عشيرة الطورة في الشوبك مجرد تعبير عن موقف عابر، بل جاء امتداداً طبيعياً لتاريخٍ من الانتماء الصادق للأردن، والوفاء لقيادته الهاشمية، والحرص على أمن الوطن واستقراره. فالمواقف الأصيلة لا تولد لحظة صدورها، وإنما تنبع من جذور راسخة، وتربية وطنية متوارثة، وإيمان عميق بأن الأردن أكبر من كل اعتبار، وأن أمنه ووحدة أبنائه مسؤولية لا تقبل التهاون. ومن هنا، أكتب اليوم من لندن، عبر العموم نيوز، معتزاً بعشيرتي الطّورة، لا لمجرد صلة الدم والانتماء، بل لأنني أرى في هذا البيان صورةً من صور تاريخها الوطني، وشاهداً على ما يحمله أبناؤها من وفاءٍ للوطن وإدراكٍ لمسؤولية الحفاظ على أمنه وكرامة أبنائه.
ليست كل العشائر صفحاتٍ في سجلّ التاريخ، فبعضها تاريخٌ قائم بذاته، وليست كل المواقف الوطنية كلماتٍ تُقال في المناسبات، فبعضها امتدادٌ لمسيرةٍ طويلة من الوفاء والتضحية والالتزام. ومن هذا المقام، أكتب اليوم عن عشيرتي العزيزة، عشيرة الطّورة في الشوبك، لا بوصفها اسماً أعتز بالانتساب إليه فحسب، بل باعتبارها جزءاً أصيلاً من الحكاية الأردنية، وبيتاً تربّت أجياله على محبة الوطن، وصون كرامته، والوقوف إلى جانب قيادته ومؤسساته في مختلف الظروف.
إن صدور بيان الاستنكار والإدانة عن أبناء عشيرتي رفضاً لكل ما يمس أمن الأردن واستقراره، ليس حدثاً مستغرباً، ولا موقفاً وليد اللحظة، وإنما هو تعبير صادق عن معدن الرجال، وأصالة المبادئ، وثبات الانتماء. فالعشائر الأردنية الأصيلة لا تستمد مكانتها من الأسماء وحدها، بل من مواقف أبنائها حين تُختبر المبادئ، ومن حضورها حين يحتاج الوطن إلى كلمة مسؤولة، وموقف واضح، وضمير لا يساوم على أمنه وسلامة أبنائه.
وأنا، إذ أكتب هذه الكلمات من لندن، عبر موقع العموم نيوز، أشعر بأن المسافة الجغرافية مهما امتدت لا تستطيع أن تنتقص من دفء الانتماء، ولا أن تطفئ جذوة الاعتزاز بالجذور. فالأردن يسكن في الوجدان قبل أن يكون مكاناً على الخريطة، والعشيرة التي ينتمي إليها المرء بصدق تظل حاضرة في ضميره أينما أقام وارتحل. ومن هنا، فإن حديثي عن عشيرة الطّورة ليس مجاملةً عابرة، ولا ثناءً تفرضه روابط الدم وحدها، بل شهادة اعتزاز أكتبها بقلب ابنٍ يرى في تاريخ عشيرته ومواقفها إرثاً يستحق أن يُروى، وقيمةً تستحق أن تُصان، ورسالةً تستحق أن تصل إلى الأجيال.
الطّورة.. رجالٌ حملوا أمانة الوطن
حين نستحضر عشيرة الطّورة في الشوبك، فإننا نستحضر معنى الرجولة حين تقترن بالمسؤولية، ومعنى الانتماء حين يتحول إلى عمل وتضحية، ومعنى الوفاء حين لا يبقى شعاراً على الألسنة، بل يصبح نهجاً في الحياة وموقفاً عند الشدائد.
لقد كان من أبناء هذه العشيرة رجالٌ خدموا الأردن في مواقع الواجب، ومنهم من حمل السلاح دفاعاً عن ترابه، ومنهم من سخّر علمه وخبرته وفكره لخدمة مؤسساته، ومنهم من حمل القلم والكلمة، مدركاً أن مسؤولية الإعلام لا تقل أهمية عن مسؤولية أي موقع آخر، وأن الكلمة الصادقة قد تكون حصناً للوعي، وسداً في وجه الفتنة، وجسراً يعبر عليه المجتمع نحو مزيد من التماسك والاستقرار.
وإنني أعتز بما قدّمه أبناء عشيرتي من جهود وتضحيات في مواقعهم المختلفة، وبما مثّله عدد منهم من نماذج في العمل الأمني والعسكري والإعلامي والقيادي. فالقيمة الحقيقية للرجال لا تقاس بالمناصب التي يتولونها، وإنما بما يتركونه من أثر، وبما يؤدونه من واجب، وبما يحفظونه من أمانة. والمنصب مهما علا يظل تكليفاً، أما شرف خدمة الوطن بإخلاص فهو وسام لا تنال قيمته الألقاب، ولا تمحوه السنوات.
وليس من الإنصاف أن نختصر تاريخ عشيرة بحادثة، أو أن نحصر مكانتها في أسماء بعينها؛ فالعشائر الأصيلة تُبنى عبر الأجيال، ويصنع مجدها رجال ونساء، وشيوخ وشباب، وأسر تزرع في أبنائها احترام الوطن، والوفاء للقيادة الهاشمية، والإيمان بأن الأردن أكبر من المصالح الضيقة، وأبقى من الخلافات العابرة.
نساء الطّورة.. جذور الكرامة وصانعات الوعي
وإذا كان للرجال حضورهم في ميادين الواجب، فإن لنساء عشيرتي مكانتهن التي تستحق التقدير والإشادة. فالمرأة الأردنية كانت، وما تزال، ركناً أساسياً في بناء الأسرة الوطنية، وحارسةً للقيم التي تنتقل من جيل إلى جيل، ومربيةً لأبناء يعرفون أن حب الوطن ليس كلمات تُلقّن، بل سلوك يُغرس، وقدوة تُرى، ومسؤولية تُمارس.
وفي بيوت الطّورة، كما في بيوت أهل الشوبك وعشائرها من الأردنيين الأوفياء، تتجلى عظمة العشيرة في قدرتها على تربية الأجيال على الكرامة والشهامة واحترام الآخرين، وفي ترسيخ الاعتقاد بأن الرجولة الحقيقية لا تنفصل عن الأخلاق، وأن القوة لا تكتمل إلا بالحكمة، وأن الانتماء لا يكون صادقاً إلا إذا اقترن بالعمل الصالح وخدمة الناس.
لهذا، فإن فخري بعشيرتي لا يقتصر على رجالها الذين أدّوا واجبهم، بل يشمل نساءها اللواتي أسهمن في صناعة هذا الإرث، وفي حفظ تماسك الأسرة والعشيرة، وفي غرس روح المسؤولية الوطنية في نفوس الأبناء والبنات.
عشيرة تعرف أن قوة الأردن في وحدة أبنائه
ومن أعمق ما أعتز به في عشيرتي الطّورة أنها تنظر إلى الأردن بوصفه بيتاً جامعاً لكل أبنائه، لا تميّز بينهم أصولٌ أو منابت، ولا تفرّق بينهم اختلافاتٌ في الرأي أو المعتقد أو الخلفية الاجتماعية. فالمواطنة الصادقة لا تُقاس بأصل الإنسان، بل بوفائه لوطنه، واحترامه لقانونه، وحرصه على حقوق الآخرين وكرامتهم.
إن الأردن الذي نحبّه ونفاخر به قام على التآخي والتكافل، وعلى التقاء الأردنيين حول راية واحدة وقيادة واحدة ومصير مشترك. ومن هنا، فإن العشيرة التي تعتز بتاريخها حقاً هي التي تجعل من هذا التاريخ جسراً للمحبة، لا سوراً للعزلة؛ ومن مكانتها الاجتماعية منبراً للإصلاح، لا وسيلة للإقصاء؛ ومن قوتها سنداً للدولة والمجتمع، لا سبباً للتعصب أو الفرقة.
وهذا هو المعنى الأسمى للانتماء العشائري الذي أؤمن به وأدعو إليه: أن نعتز بجذورنا دون أن ننتقص من الآخرين، وأن نفخر بتاريخنا دون أن ندّعي لأنفسنا ما ليس لنا، وأن نتمسك بهويتنا العشائرية في إطار هويتنا الوطنية الأردنية الجامعة. فكلما ازدادت العشيرة أصالةً، ازدادت مسؤوليتها في تعزيز الوحدة الوطنية، وكلما ارتفعت مكانة أبنائها، تعاظم واجبهم في خدمة مجتمعهم والوقوف إلى جانب كل ما يحفظ أمن الوطن وكرامة مواطنيه.
بيان الطّورة.. موقف يتجاوز حدود الكلمات
إن البيان الذي أصدره أبناء عشيرتي استنكاراً وإدانةً لكل ما من شأنه تهديد أمن الوطن واستقراره، يحمل في جوهره رسالة تتجاوز حدود الحدث المستنكر والأليم . فهو تأكيد على أن أمن الأردن خط أحمر، وأن سلامة الأردنيين ليست مجالاً للمساومة، وأن الاختلاف في الآراء لا يمكن أن يكون مبرراً للعنف أو الاعتداء على الأبرياء أو العبث بأمن المجتمع.
وهو، في الوقت نفسه، رسالة وفاء لمؤسسات الدولة الأردنية، وفي مقدمتها القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، التي يقدّر الأردنيون تضحيات منتسبيها وجهودهم في حماية الوطن وصون أمنه. كما أنه دعوة إلى الوعي والتماسك، وإلى رفض كل خطاب يسعى إلى بث الفرقة أو استغلال الظروف لإثارة الفتن بين أبناء المجتمع الواحد.
إن المواقف الوطنية لا تُقاس بارتفاع نبرة الخطاب، بل بوضوح المبادئ واستقامة السلوك. والوطن لا يحتاج إلى كلمات غاضبة بقدر ما يحتاج إلى ضمائر يقظة، وعقول واعية، وأبناء يدركون أن المحافظة على أمنه مسؤولية مشتركة، تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى المدرسة والمؤسسة والإعلام والمجتمع بأسره.
ومن هنا، فإنني أرى في موقف عشيرتي تعبيراً عن مسؤولية وطنية أصيلة، تتجسد في الانحياز إلى استقرار الأردن، واحترام مؤسساته، والتمسك بسيادة القانون، والاحتكام إلى الحكمة في مواجهة كل ما قد يهدد وحدة المجتمع وأمنه.
من الشوبك إلى لندن.. انتماء لا يعرف الغياب
قد تبتعد بنا الجغرافيا عن الديار، وقد تأخذنا الحياة إلى مدن وعواصم مختلفة، لكن الإنسان الذي يعرف قيمة جذوره لا يفقد صلته بها. وأنا، من موقعي في لندن، أجد في الكتابة عن عشيرتي الكريمة الطّورة في الشوبك مساحةً للتعبير عن اعتزاز يتجاوز حدود المكان، وعن وفاء لا تُضعفه المسافات، وعن رغبة صادقة في أن تصل صورة هذه العشيرة ومواقفها إلى جمهور أوسع، بما يليق بتاريخها وبما قدّمه أبناؤها لوطنهم.
ومن خلال العموم نيوز، أعتز بأن أساهم في إبراز النماذج الأردنية التي تستحق الإشادة، وأن أكتب عن العشائر التي ترى في خدمة الأردن شرفاً، وفي الحفاظ على وحدته واجباً، وفي احترام كرامة الإنسان مبدأً لا يتغير. فالإعلام المسؤول ليس مجرد نقل للأحداث، بل هو أيضاً توثيق للمواقف النبيلة، وإبراز للقيم التي تجمع الناس، وإضاءة على التجارب التي تعزز الثقة بالمجتمع وتدعم تماسكه.
كما أنني أكتب عن الطّورة لأنني أؤمن بأن الوفاء للأصل لا يتعارض مع الانفتاح على الآخرين، وأن الاعتزاز بالعشيرة لا ينتقص من الاعتزاز بالأردن كله. بل إن العشيرة التي تحسن تمثيل نفسها تمثل وطنها أيضاً، وتضيف إلى صورته المشرقة، وتثبت أن الأصالة الحقيقية ليست في التفاخر بالأسماء، وإنما في ترجمة القيم إلى مواقف وأعمال.
كلمة أخيرة.. فخرٌ أعتز به ومسؤولية أحملها
إنني أفتخر بعشيرة الطّورة في الشوبك، برجالها ونسائها، بكبارها الذين حفظوا إرثها، وبشبابها الذين تقع على عاتقهم مسؤولية حمل رسالتها إلى المستقبل. أفتخر بكل فرد فيها يجعل من الصدق مبدأً، ومن الكرامة سلوكاً، ومن خدمة الناس واجباً، ومن حب الأردن التزاماً لا يتبدل بتبدل الظروف.
وأعتز بكل موقف مشرّف يصدر عن أبنائها، وبكل جهد مخلص يبذلونه في سبيل وطنهم، وبكل كلمة مسؤولة تسهم في جمع الأردنيين على الخير والمحبة والتسامح. فالعشيرة التي تستحق الفخر هي التي تترك للأجيال إرثاً من الأخلاق قبل الأسماء، ومن العمل قبل الادعاء، ومن الوحدة قبل المصالح الفردية.
وإذا كان لي أن أختصر اعتزازي بعشيرتي في معنى واحد، فسأقول: إن الطّورة ليست بالنسبة إليّ مجرد انتماء عائلي، بل ذاكرة ووجدان ومسؤولية؛ تاريخٌ أحمله بفخر، وحاضرٌ أتابعه باعتزاز، ومستقبلٌ أتمنى أن يواصل فيه أبناؤها مسيرة العطاء والوفاء، متمسكين بأصالتهم، أوفياء لوطنهم، منفتحين على أبناء مجتمعهم، ومؤمنين بأن الأردن يستحق من الجميع أصدق المواقف وأخلص الأعمال.
حفظ الله الأردن وطناً آمناً عزيزاً مستقراً، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وولي عهده الأمين، ورحم شهداء الوطن الذين قضوا في الحادث الجبان ، وحمى قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية، وبارك في كل يد تعمل بإخلاص من أجل رفعة الأردن.
عشيرة الطّورة في الشوبك.. أصالةٌ تضرب جذورها في الأرض، ومواقفُ يرفعها الوفاء، ورجالٌ ونساءٌ يحملون الأردن في القلب قبل أن يحملوا اسمه على الألسنة.
هذا فخري بعشيرتي، وهذا وفائي لوطني، وهذه كلمة أكتبها من لندن، بقلبٍ أردنيٍّ يعتز بجذوره، ويؤمن بأن الطّورة جزءٌ من مجد الأردن، وأن الأردن سيبقى دائماً المظلة التي تجمعنا، والراية التي نفخر بها، والوطن الذي يستحق منا كل الوفاء.
