لم يعد شارع الرشيد شارعًا…
بل شاهدًا خائفًا.
يقف هناك،
مشدودًا بين ما كان… وما فُرض عليه أن يكون،
كأن أحدهم أمسك بحنجرته،
وقال له:
“اصمت… نحن نكتبك من جديد.”
هنا…
لم تكن الحكايات تُروى،
بل كانت تُدار.
“أم عمر (قطنة)”…
لم تكن امرأة تجلس على عتبة بيت،
بل كانت وزارة داخلية الشارع.
تعرف من دخل… ومن خرج،
من اختلف… ومن تصالح،
ومن أخطأ… ومن يحتاج أن يُستر.
اليوم…
اختفت.
لا لأنها رحلت فقط،
بل لأن الشارع
لم يعد يحتمل العدالة.
وهنا تبدأ الجريمة.
“فزّة”…
وزيرة إعلام الرشيد،
كانت تقول الخبر… وتُهذّبه،
تُمرّره كما يُمرَّر الدفء بين البيوت.
اليوم…
الكلمات قاسية،
تُلقى كالحجارة،
ولا أحد يجمع شظاياها.
“فاطمة”…
وزيرة تموين الحي،
كانت تعرف أن الجوع لا يُعلن نفسه،
فتمشي قبل أن يُطرق بابها.
أما الآن…
فالأبواب مغلقة،
والجوع صار خجولًا… حدّ القهر.
“خيرية”…
ناقلة الأخبار،
لكنها كانت تنقل معها نبض الناس.
تعرف من مريض،
ومن ينتظر،
ومن انكسر بصمت.
اليوم…
الأخبار كثيرة،
لكن لا أحد يعرف أحدًا.
وهناك…
في قلب الحي…
“الحجة العلاوية”…
و“فزّة”…
و“أم عمر (قطنة)”…
قهوة الصباح كانت تجمعهن
في حوش الدار،
حول نافورة دمشقية
كانت تغنّي الماء كل صباح.
كنّ يجلسن…
لا لتمضية الوقت،
بل لصناعة الحياة.
ضحكات خفيفة،
دعاء عابر،
ونظرات تفهم أكثر مما يُقال.
أما “عليا إم محمد”…
فكانت تمرّ من طرف المشهد،
تراقب بصمت،
تحمل صباحها بطريقتها،
وتكتفي بابتسامةٍ خفيفة
كأنها تقول:
“أنا هنا… لكن لي عالمي.”
هناك…
كان الشارع يبدأ يومه.
وفي ظهيرةٍ كانت تميل إلى الحنين،
كانت نافذة “نعيمة” تُفتح قليلًا…
ويخرج منها صوتٌ دافئ،
كأنه آخر ما تبقّى من زمنٍ لا يريد أن يرحل:
“توبه… توبه… توبه
إن كنت أحبك تاني…”
لم يكن الغناء مجرد أغنية…
كان اعترافًا قديمًا،
أو ندمًا لا يخصّ أحدًا بعينه…
بل يخصّ الشارع كله.
كأن الرشيد نفسه
كان يهمس:
“توبة… أن نحبّ ما يُسرق منّا… ولا نحميه.”
شارع الرشيد لم يتعب…
تمّ تفريغه.
لم تُهدم بيوته أولًا،
بل هُدمت روحه.
أُخذت منه نساؤه،
ثم قيل: “المكان ما زال كما هو.”
أيّ كذبة أكبر من هذه؟
حتى شجرة التوت…
تلك التي كانت تلوّن أيدي الأطفال،
وتجمعهم تحت ظلّها،
وتصنع من الضحكة موسمًا…
اقتلعوها.
لم تذبل…
لم تمت…
اقتلعوها.
ووضعوا مكانها
محلًّا لبيع القرميد.
كأنهم يقولون لنا:
“نبيعكم جدرانًا جديدة…
وانسوا الظلّ.”
من سرق ذاكرة المدينة؟
الذين لم يروا في “عليا” سوى امرأة،
وفي “الحجة العلاوية” سوى عجوز،
وفي “أم عمر (قطنة)” سوى جارة…
ولم يفهموا
أنهنّ كنّ
النظام غير المكتوب،
والقانون الذي لا يُكسر،
والدفء الذي لا يُعوّض.
اليوم…
يمكنك أن تمشي في الرشيد،
ولا تسمع صوت قهوة،
ولا نداء أم،
ولا ضحكة تُشبه البيت.
فقط…
أقدام غريبة،
تعبر المكان
دون أن تترك أثرًا.
شارع الرشيد اليوم…
ليس ضحية زمن.
الزمن لا يقتلع شجرة توت،
ولا يُسكت نافورة،
ولا يُفرغ حوش دار من نسائه.
هذا…
فعلٌ بشريّ،
بارد،
ودقيق.
“أم عمر (قطنة)” ليست ذكرى…
هي نظام سقط.
و“فزّة” صوت أُسكت.
و“فاطمة” كرامة أُهملت.
و“خيرية” خيط انقطع.
و“عليا إم محمد”…
والحجة العلاوية…
كانتا الصباح الذي لم يعد يأتي.
سيأتي يوم،
يمرّ فيه طفل من هنا،
يسأل:
“وين كانت الشجرة؟”
سيشير أحدهم إلى محل القرميد،
ويقول: “هنا… كان في شي قديم.”
وهكذا…
لا تُسرق المدن فقط…
تُقتلع…
ثم يُقال لنا:
“تأقلموا.”.
صحفي وقاص أردني
تذييل..
شارع الرشيد ،القلب النابض بالعشق والعتق في مدينة اربد الأردنية ..
7

