لندن: محمد الطّورة
أعيش في الغربة، وأجد نفسي يومياً أمام سيلٍ من الأسئلة والاستفسارات من أصدقاء وزملاء ومتابعين من مختلف الجنسيات، حول ما يُثار عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي عن قضايا فساد وتصريحات خطيرة يتم تداولها على نطاق واسع، ويقف خلفها أحياناً أشخاص يُقدَّمون للرأي العام على أنهم رجالات دولة أو مسؤولون عاملون ومتقاعدون. وللأسف، يتبين بعد مرور الوقت أن كثيراً مما يُطرح لا يستند إلى أدلة حقيقية أو وثائق واضحة، بل يدخل في إطار الاستعراض الإعلامي والبطولات الكرتونية التي هدفها تحقيق الظهور والشهرة وحصد الإعجابات والمشاهدات، حتى وإن كان الثمن تشويه صورة الوطن والإساءة إلى مؤسساته أمام العالم.
إن المؤلم في الأمر ليس فقط حجم الادعاءات التي تُطلق بلا مسؤولية، بل الأثر الذي تتركه على صورة الأردن وهيبته في الخارج، حيث يجد الأردني المغترب نفسه مضطراً للدفاع عن وطنه وتوضيح الحقائق في مواجهة حالة من التضليل والتهويل التي تُمارس أحياناً تحت شعارات الإصلاح أو كشف الفساد، بينما تكون في حقيقتها مجرد محاولات للفت الانتباه وصناعة الجدل وتحقيق المكاسب الشخصية على حساب سمعة الدولة وثقة الناس.
وفي السنوات الأخيرة أصبحت منصات التواصل ساحة مفتوحة لكل من يريد الظهور أو تحقيق الشهرة السريعة، فانتشرت ما يُعرف بـ”الاستعراضات الإلكترونية” و”البطولات الوهمية” التي يقوم بها بعض الأشخاص عبر بث المقاطع أو نشر التصريحات الاستفزازية والتحديات غير المسؤولة، بهدف إثارة الجدل وجذب الانتباه، حتى وإن كان ذلك على حساب القيم المجتمعية أو مشاعر الناس.
إن بعض من يمارسون هذا النوع من الاستعراض لا يعتمدون على حقائق أو أدلة واضحة، بل يلجؤون إلى المبالغة والتشهير وإثارة الرأي العام بأساليب استفزازية تؤدي إلى نشر الكراهية والاحتقان، وتدفع المتابعين إلى الانقسام والتوتر. والأسوأ من ذلك أن بعضهم يستغل عدد المتابعين أو النفوذ الإعلامي ليُظهر نفسه فوق القانون، متناسياً أن الحرية لا تعني الفوضى، وأن الرأي يجب أن يكون مسؤولاً ومحترماً.
ولا يمكن إعفاء بعض وسائل الإعلام والمواقع الإخبارية من مسؤوليتها المباشرة في تفاقم هذه الظاهرة، حين تفتح أبوابها لمثل هؤلاء الأشخاص وتمنحهم المساحة عبر بعض البرامج والمنصات للإدلاء بآراء ومعلومات غير دقيقة، أو إطلاق تصريحات تفتقر إلى المصداقية، فقط من أجل تحقيق نسب مشاهدة أعلى وإشعال الجدل لجذب المتابعين. فالإعلام الحقيقي لا يُبنى على الإثارة الرخيصة أو استغلال مشاعر الناس، بل يقوم على المهنية والصدق وتحري الدقة قبل نشر أي معلومة أو تقديم أي شخص للرأي العام.
وعندما تتحول بعض المنابر الإعلامية إلى أدوات لتضخيم الفوضى الرقمية ونشر التهويل والإساءة والتضليل، فإنها تصبح شريكاً في صناعة الانقسام المجتمعي وتأجيج الرأي العام دون أدلة أو براهين واضحة. إن السباق المحموم خلف المشاهدات لا ينبغي أن يكون على حساب القيم المهنية أو المسؤولية الأخلاقية، لأن الكلمة أمانة، والإعلام يحمل تأثيراً بالغاً في تشكيل وعي المجتمع وتوجيه الرأي العام.
ومن هنا، فإن المجتمع اليوم بحاجة إلى موقف حازم يحميه من هذا العبث الإعلامي والإلكتروني، وذلك من خلال تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، ومحاسبة كل من يتعمد إثارة الفوضى أو الإساءة للناس عبر المنصات المختلفة، مهما كان موقعه أو حجمه أو عدد متابعيه. فحماية المجتمع لا تتعارض مع حرية التعبير، بل تضمن أن تبقى الحرية في إطار المسؤولية والاحترام وعدم التعدي على الآخرين.
وفي النهاية، يبقى الاحترام والمسؤولية هما الأساس الحقيقي لأي ظهور إعلامي أو إلكتروني، أما الشهرة المبنية على الاستفزاز والإساءة وإثارة المشاعر دون حقائق، فلن تصنع نجاحاً حقيقياً، بل تترك آثاراً سلبية تهدد وعي المجتمع وتماسكه، وتنعكس بصورة خطيرة على الأجيال القادمة.

