لفت انتباهي ما نشرته قناة CNBC الأميركية مؤخرا من مذكرات للدكتور الراحل، هوارد تاكر، والذي توفي عن عمر يناهز الـ 103 سنوات، ليعد أكبر طبيب معمر في التاريخ، وفقا لموسوعة غينيس.
تاكر، الذي أمضى أكثر من 75 عاما من عمره في ممارسة طب الأعصاب، يتحدث عن الأسرار التي كانت وراء نشاطه الذهني وحيويته الجسدية حتى آخر لحظات العمر، ليجمل أبرزها في الحفاظ على نشاط العقل والتحفيز الذهني، وفي الابتعاد عن الضغينة والمشاعر السلبية ضد الآخرين، وما تسببه من استنزاف لطاقة الفرد، وفي الاستمتاع بكل شيء في الحياة باعتدال وتوازن، بعيدا عن الإفراط أو الحرمان.
ورغم أنه لا يختلف اثنان في أهمية كل ما تقدم من نصائح – إلا من كان سفسطائي المنطق – إلا أنني أجد الثانية الأكثر أهمية، والتي يلخصها الراحل في مذكراته بالقول: “لقد عشت عمرا طويلا، ومررت بخيبات أمل. لكنني لا أرى أي جدوى من حمل الضغينة في قلبي. الغضب والاستياء يستنزفان الطاقة، ويؤثران سلبا على الصحة، بل يضرّان بالشخص الذي يحملهما أكثر من أي شخص آخر”.
وللحق، فإن ما يؤكد عليه الرجل يجسد، بنظري، وصفة سحرية للجميع: من مسؤول أو موظف حالي أو سابق يشعر بالضغينة ضد من ينتقده أو كان سببا في فشله كما يعتقد، إلى ابن يحمل الغل نحو والده لأسباب تعود للتربية السيئة، إلى زوج يضمر الحقد ضد أهل زوجته لخلافات عائلية يعتقد أنه الضحية فيها، والقائمة تطول، والبعض على حق فيما يشعرون، لكن هذا ليس بيت القصيد.
لا يؤمن تاكر بأن على الإنسان عدم التعامل مع السلوكيات الخاطئة التي لا يقبلها العقل السليم من الآخرين، فهناك وسائل فردية وأسرية واجتماعية وحتى قانونية لمواجهة المخطئ، بل ما يعنيه هو عدم جعل هذه الأمور وما ينتج عنها من مرارة، وبالتالي ضغينة وحقد، من السيطرة على نفسية الشخص، ومنعه من المضي قدما في الحياة.
وتصديقا لكلامه، تؤكد الدراسات العلمية أن الضغينة تؤذي صاحبها نفسيا من خلال جعله فريسة للاكتئاب واضطرابات القلق، وجسديا من خلال رفع مستويات التوتر وتأثير ذلك على ضغط الدم وصحة القلب مع تقدم العمر.
على الإنسان التعامل مع ما يمر به في حياته من مواقف سلبية بسبب أقوال أو تصرفات شخص آخر بتجرد وثبات عاطفي ورؤية منطقية حتى مع أقرب الناس، وهو بذلك يخدم نفسه أولا. والهدف، كما تفيد الدراسات، ليس تغيير سلوك الشخص المسيء، بل تحقيق السلام النفسي للآخر.
وفي النهاية، فالحياة تمضي والعمر كذلك، وإن كان تاكر محظوظا، كما يعتقد البعض، بوصوله إلى مائة من العمر سعيدا ويزيد، فالأعمار بيد الله وحده، “وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ”، لكن هذا لا يمنع من أن يمضي الفرد بسلام مع نفسه عبر لحظات العمر، وحتى الرمق الأخير.
ولنعش بقلوب لا تحمل الضغينة لبناء مجتمع سليم، تصديقا لقول شاعر العرب، عنترة بن شداد: “لا يَحمِلُ الحِقدَ مَن تَعلو بِهِ الرُتَبُ وَلا يَنالُ العُلا مَن طَبعُهُ الغَضَبُ”.
وكل عام – ومن اقتنع بكلام تاكر، أو لم يقتنع، مفضلا ممارسة الرياضة واتباع نظام غذائي صحي فقط، ومؤمنا بأن الأمر برمته جينات وحظوظ لا أكثر – بخير!

