لم تكن اتفاقيات السلام العربية مع إسرائيل مجرد أوراق وُقّعت في لحظات سياسية فارقة، بل كانت — في عمقها — تحوّلًا استراتيجيًا أعاد تشكيل الوعي قبل أن يعيد رسم الخرائط.
فما بدا في حينه طريقًا لتخفيف النزيف، تحوّل تدريجيًا إلى مسارٍ موازٍ أعاد ترتيب موازين القوة، ولكن ليس كما توقّع كثيرون.
في البدايات، قدّمت إسرائيل نفسها بوصفها طرفًا يسعى إلى “العيش بسلام”، دولة صغيرة محاطة بالتحديات، تبحث عن اعترافٍ وشرعية. هذا الخطاب لم يكن مجرد دبلوماسية ناعمة، بل كان مدخلًا ذكيًا لإعادة تعريف الصراع، ونقله من كونه قضية احتلال إلى كونه “نزاعًا” قابلًا للحل بالتفاوض.
ومع كل اتفاقية، كانت تتقدّم خطوة.
ليس فقط على طاولة التفاوض، بل في تثبيت روايتها، وتوسيع هامش حركتها، وإعادة بناء صورتها في الوعي الدولي والإقليمي.
في المقابل، دخلت بعض الدول العربية هذه الاتفاقيات تحت ضغط الواقع؛ حروب أنهكت الجغرافيا، واقتصادات تبحث عن استقرار، وشعوب أنهكها الانتظار.
كان السلام، في تلك اللحظة، يبدو كخيارٍ أقل كلفة من استمرار الصراع.
لكن المشكلة لم تكن في مبدأ السلام ذاته، بل في اختلال موازينه.
إذ لم يكن السلام متكافئًا في شروطه ولا في نتائجه.
فبينما تعاملت بعض الأطراف العربية مع الاتفاقيات كخطوة نحو إنهاء الصراع، تعاملت إسرائيل معها كأداة لإدارته بوسائل أكثر هدوءًا… وأكثر فاعلية.
لكن، وبعيدًا عن اللغة الدبلوماسية المنمّقة، يبرز سؤالٌ أكثر واقعية ومرارة: ماذا جنينا فعليًا من اتفاقيات سلام مع محتل؟
لا “منًّا” جاء، ولا “سلوى” كما رُوّج في حينه، ولا ازدهارًا يوازي حجم التنازلات.
بل على العكس، تشكّل واقعٌ أكثر تعقيدًا وخطورة من حالة العداء العلني؛ إذ تحوّل الصراع من مواجهة واضحة بين صاحب حق ومحتل، إلى حالة رمادية تختلط فيها المصالح بالاختلال.
سرقةٌ للمياه تحت عناوين مختلفة، حريةُ تجوّلٍ غير مسبوقة داخل الجغرافيا العربية، اقتصادٌ يزداد إنهاكًا بدل أن يتعافى، وتمردٌ إسرائيلي في زمن “السلام” تجاوز — في بعض وجوهه — ما كان عليه في زمن المواجهة.
وهنا، لا يبدو السلام وكأنه أنهى الصراع، بل أعاد تشكيله بطريقةٍ جعلت كلفته أقل ظهورًا… وأكثر عمقًا.
تدريجيًا، تغيّرت المعادلة.
تراجع حضور القضية المركزية في الخطاب السياسي، وتقدّم خطاب “المصالح” و”الاستقرار”، بينما كانت إسرائيل تعزّز حضورها في مفاصل الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن، مستفيدة من بيئة إقليمية أعادت تعريف أولوياتها.
وهنا، تظهر المفارقة الأكثر قسوة:
السلام الذي كان يُفترض أن يحدّ من التفوّق، أصبح — في بعض تجلياته — أحد أدوات تكريسه.
لم يكن ذلك نتيجة نصوص الاتفاقيات فقط، بل نتيجة ما تلاها:
آليات التنفيذ، موازين القوى، وغياب مشروع عربي موحّد قادر على تحويل السلام إلى ورقة قوة، لا إلى مساحة فراغ.
لقد أتقنت إسرائيل، عبر عقود، لعبة “التمسكن السياسي”؛ خطابٌ هادئ، مطالب تبدو محدودة، ورسائل تطمئن الخارج.
لكن خلف هذا الخطاب، كانت هناك استراتيجية واضحة: كسب الوقت، تثبيت الوقائع، وتوسيع النفوذ بأقل قدر من الصدام المباشر.
وهكذا، وجدت المنطقة نفسها أمام واقع جديد:
اتفاقيات قائمة، لكن سلامًا هشًا…
اعترافًا متبادلًا، لكن ثقة غائبة…
وشراكات تتقدّم في بعض المجالات، بينما يبقى جوهر الصراع معلّقًا.
اليوم، لم يعد السؤال: هل كانت اتفاقيات السلام خيارًا صحيحًا أم لا؟
بل: كيف أُديرت هذه الاتفاقيات؟ ولصالح من مالت كفّتها؟
فالسلام، في جوهره، ليس توقيعًا على ورق، بل توازنٌ في المصالح، وعدالةٌ في النتائج.
وما لم يتحقق ذلك، يبقى السلام عنوانًا… بلا مضمون كامل.
في النهاية، لا يمكن قراءة التجربة بعيدًا عن سياقها التاريخي والسياسي، لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن إسرائيل لم تترك هذه الاتفاقيات للصدفة، بل أدارتها بعقل استراتيجي طويل النفس.
أما نحن، فبقينا — في كثير من الأحيان — أسرى اللحظة، لا صُنّاع المستقبل.
وبين هذا وذاك، تتشكل الحكاية:
تمسكنت حتى تمكنت… لكن السؤال
الذي يبقى مفتوحًا: هل يمكن إعادة التوازن، أم أن الزمن تجاوز نقطة العودة؟

