لندن: محمد الطّورة
سؤال إلى بعض أصحاب القرار
حين يكون لقاء جلالة الملك عبدالله الثاني المعارضة في البرلمان الأسترالي أمراً طبيعياً، فلماذا يصبح لقاء جلالته بالمعارضة الوطنية في الداخل موضع تحفظ من قبلكم؟
حين قرأت الخبر الذي تناقلته وسائل الإعلام الأردنية عن لقاء جلالة الملك عبدالله الثاني بزعيم المعارضة في البرلمان الأسترالي، أنغوس تايلور، في العاصمة كانبرا، لم أتوقف عند اللقاء بوصفه محطة في العلاقات الأردنية الأسترالية فحسب، بل استوقفني ما يفتحه من باب للتفكير في واقع العلاقة بين القيادة والمعارضة، وفي مفهوم الاختلاف السياسي وحدود الحوار في وطننا.
فجلالة الملك يلتقي زعيم المعارضة الأسترالية، ويبحث معه علاقات الصداقة بين البلدين والتطورات الإقليمية والدولية، في مشهد يعكس أن التواصل مع المعارضة لا يتعارض بالضرورة مع طبيعة الدولة أو مصالحها، وأن الاختلاف في الموقع السياسي لا يمنع الحوار حول القضايا المشتركة.
وهنا، وجدتني أطرح سؤالاً أتمنى أن يصل إلى أصحاب القرار والمستشارين والمحيطين بجلالة الملك:
إذا كان جلالة الملك عبدالله الثاني يلتقي المعارضة في الدول الأخرى، فلماذا يُصوّر أحياناً لقاء المعارضة الوطنية الأردنية، في الداخل أو الخارج، وكأنه تجاوز لخطوط حمراء لا يجوز الاقتراب منها؟
هل تختلف المعارضة حين تكون من أبناء وطننا؟ وهل يصبح المعارض مقبولاً عندما يجلس في برلمان دولة أخرى، بينما يُنظر إليه بعين الريبة عندما يعبّر عن رأيه في الشأن الأردني؟ أم أن المشكلة ليست في المعارضة نفسها، بل في الصورة التي ينقلها بعض المحيطين بالقرار عنها؟
إن السؤال هنا ليس اعتراضاً على لقاء جلالة الملك بزعيم المعارضة الأسترالية، بل هو دعوة إلى الاستفادة من دلالته السياسية والإنسانية، وإلى إعادة النظر في الطريقة التي نتعامل بها مع الاختلاف داخل البيت الأردني.
فالمعارضة ليست بالضرورة خصومة مع الوطن، والنقد ليس مرادفاً للخيانة، والاختلاف مع سياسة أو نهج لا يعني بالضرورة الاختلاف مع الدولة أو نظامها. هناك فرق واضح بين من يمارس معارضة مسؤولة يسعى من خلالها إلى الإصلاح، وبين من يتجاوز القانون أو يستهدف أمن الوطن واستقراره. ولا يجوز أن نضع الجميع في خانة واحدة، أو أن نحكم على النوايا قبل النظر في المواقف والأفعال.
لقد أثبتت التجارب أن بعض الذين وُضعوا في خانة المعارضة كانت لديهم رؤى وخبرات ومواقف تستحق الاستماع، وأن من اختلفوا مع مسؤولين أو انتقدوا سياسات عامة لم يفقدوا بذلك حقهم في الانتماء إلى وطنهم والمشاركة في مستقبله.
وفي المقابل، فإن المواقع الرسمية ليست شهادة حصرية في الوطنية، كما أن الابتعاد عن المنصب لا يعني الابتعاد عن الوطن. فكم من معارض أصبح وزيراً، وكم من شخصية اختلفت مع نهج سياسي في مرحلة معينة ثم عادت لتشارك في العمل العام، وكم من مسؤول غادر موقعه وبقي الوطن حاضراً في وجدانه واهتمامه.
إن قيمة الإنسان لا تُختزل في موقعه، ولا ينبغي أن يكون قربه من السلطة أو ابتعاده عنها معياراً وحيداً للحكم على مواقفه.
ولعلنا شهدنا في مراحل سابقة كيف أسهمت جهود شخصيات وطنية ذات خبرة في تقريب وجهات النظر، واحتواء الخلافات، وتهيئة الظروف لعودة أحد أبناء الوطن معززاً مكرماً. ومهما اختلفت الآراء حول تفاصيل التجارب، فإن الدرس الذي يستحق التوقف عنده هو أن الحوار قد يفتح أبواباً تعجز عن فتحها القطيعة، وأن الاستماع إلى الرأي الآخر قد يكون بداية لتصحيح مسار وإعادة بناء الثقة.
ومن هنا، أوجّه رسالتي الصادقة إلى كل من يعمل في محيط جلالة الملك، وإلى المستشارين والمسؤولين الذين تقع على عاتقهم مسؤولية نقل صورة المجتمع إلى القيادة:
لا تكونوا حواجز بين الملك وشعبه، ولا تجعلوا من تقديراتكم الشخصية أحكاماً نهائية على أبناء الوطن.
إن من أهم واجبات القريب من القيادة أن ينقل إليها مختلف الآراء بأمانة، لا أن يحجب عنها ما لا يتفق مع قناعاته، وأن يتيح المجال لسماع الروايات المختلفة، لا أن يكتفي بما يقال عن أصحابها.
فليس من الإنصاف أن يُحرم مواطن من فرصة الحوار لمجرد أنه معارض، أو أن يصبح اسمه مثار تحفظ دائم لأن بعضهم لا يوافقه الرأي. وإذا كانت هناك ملاحظات جدية على موقف أو سلوك، فلتُعرض بوضوح، وليكن القانون والوقائع هما الفيصل، لا التصنيفات المسبقة ولا الحسابات الضيقة.
إن جلالة الملك، بحكم موقعه ومسؤوليته، ملك الأردنيين جميعاً، ومن حق كل مواطن أن يأمل بأن تصل قضيته وصوته إلى القيادة، مهما اختلفت توجهاته السياسية، ما دام ملتزماً بالقانون ومحافظاً على الثوابت الوطنية.
ولا يعني ذلك أن يلتقي الملك بكل من يطلب لقاءه، فالمسؤوليات والاعتبارات العملية تفرض بالضرورة ترتيب الأولويات واختيار آليات التواصل المناسبة. لكن الفكرة الأساسية هي ألا يُستبعد أحد لمجرد اختلافه، وألا تتحول الوساطة بين القيادة والمواطنين إلى حاجز يمنع وصول الأصوات التي تحتاج الدولة إلى سماعها.
إن ما عُرف عن الهاشميين من تسامح وحرص على جمع الكلمة ينبغي أن يبقى قيمة حاضرة في إدارة الخلافات، وأن يجد صداه في المبادرات التي تفتح أبواب المصالحة وتعيد أبناء الوطن إلى دائرة المشاركة متى توافرت الشروط اللازمة لذلك.
ولعل ما يعزز قناعتي بأهمية هذا النهج ما شهدناه وشهده شخصياً في تجربة وطنية تستحق التوقف عندها بكل تقدير. فقد بادر رجال قادة من أصحاب الخبرة والحكمة، ممن كانت مصلحة الوطن حاضرة في وجدانهم، إلى التواصل مع أحد أبناء الوطن الذي كانت له اختلافات مع بعض السياسات، واختاروا أن يفتحوا معه أبواب الحوار بدلاً من أن يتركوا المسافات تتسع، أو أن يستسلموا لما قد يُقال عن استحالة التفاهم معه.
جلس هؤلاء الرجال معه، وفتح كل منهم قلبه للآخر، بعيداً عن التمترس خلف المواقف المسبقة، أو التعامل مع الاختلاف باعتباره نهاية الطريق. استمعوا إليه واستمع إليهم، وتبادلوا وجهات النظر بصراحة ومسؤولية، حتى توصلوا إلى قناعات مشتركة مفادها أن الاختلاف في الرأي، مهما بلغ، لا ينبغي أن يحول دون اللقاء، ولا أن يغلق أبواب التفاهم، ولا أن يجعل العودة إلى الوطن أمراً مستحيلاً.
وكانت ثمرة هذا المسعى أن عاد ذلك المواطن إلى أرض الوطن معززاً مكرماً، في خطوة حظيت برضى صاحب القرار ومباركته. ولم يتعامل أولئك الرجال مع ما تحقق باعتباره إنجازاً يسجلونه لأنفسهم، أو مناسبة لتصفية حسابات أو تحقيق مكاسب خاصة، بل أدوا ما رأوه واجباً وطنياً، ومضوا في طريقهم دون ضجيج أو منّة.
إن قيمة هذه التجربة لا تكمن في عودة مواطن إلى أرض الوطن فحسب، بل في النهج الذي قاد إليها؛ نهج يؤمن بأن أبناء الوطن، مهما اختلفوا في تقدير السياسات أو في المواقف، يمكن أن يلتقوا حول ما يجمعهم، إذا وجدوا من يحسن الاستماع إليهم والنية الصادقة، ويحترم كرامتهم، ويمنح الحوار فرصته بعيداً عن الأحكام المسبقة والحسابات الضيقة.
وهنا يكمن الدرس الذي أتمنى أن يدركه كل من يتولى مسؤولية أو يحظى بثقة القيادة: ليس مطلوباً أن يتخلى المختلف عن رأيه حتى يُفتح له الباب، ولا أن ينتصر طرف على آخر حتى يتحقق التفاهم؛ بل المطلوب أن تتقدم مصلحة الوطن، وأن تبقى كرامة أبنائه مصونة، وأن تكون الحكمة في جمعهم لا في إدامة المسافات بينهم.
فإذا استطاع قادة مؤسسات مخلصون بالتعاون مع آخرين من أبناء الوطن الغيورين أن يفتحوا نافذة للحوار، وأن يهيئوا الطريق لعودة ابن من أبناء الوطن معززاً مكرماً، فلماذا لا نستفيد من هذه التجربة في التعامل مع خلافات أخرى، ولماذا نسمح للمواقف المسبقة بأن تغلق أبواباً يمكن أن تُفتح بالحكمة وحسن الاستماع أو تجعل من التنافس وتسجيل المواقف عثرة امام مثل هذا الأنجاز؟
فالصفح لا يعني إلغاء القانون، والحوار لا يعني التنازل عن الثوابت، والمصالحة لا تعني أن الجميع كانوا على صواب. بل تعني أن الوطن أكبر من خلافاته، وأن الإنسان قد يراجع موقفه، وأن الدولة الواثقة من نفسها تستطيع أن تستمع إلى النقد من دون أن تعتبره تهديداً تلقائياً لها.
إن الأردن اليوم، في ظل ما تشهده المنطقة من تحديات، أحوج ما يكون إلى توسيع مساحات الثقة، وتقريب وجهات النظر، والاستفادة من خبرات أبنائه جميعاً. ولا يتحقق ذلك بإقصاء الأصوات المختلفة، بل بفتح قنوات مسؤولة للحوار، وتوفير فرص عادلة للمشاركة، والتعامل مع المواطنين على أساس المواطنة لا على أساس مدى اتفاقهم مع هذا المسؤول أو ذاك.
أما آن الآوان لفتح الأبواب المغلقة للقاء جلالة الملك بالمعارضة الوطنية الأردنية، خصوصاً حين تقتضي المصلحة الوطنية ذلك، فهي أقرب مسافة وفرصة للاستماع والفهم وتقريب وجهات النظر، بدلاً من أن يُنظر إليه باعتباره أمراً ينبغي التحفظ عليه؟
هذا هو السؤال الذي أردت أن أطرحه على أصحاب القرار في بعض مؤسسات الدولة من خلال خبر لقاء جلالة الملك بزعيم المعارضة الأسترالية. وهو ليس دفاعاً عن كل معارض، ولا حكماً بأن كل من ينتقد السلطة يمتلك الحقيقة، وإنما دفاع عن مبدأ أوسع: أن الاختلاف لا ينبغي أن يسلب الأردني حقه في أن يُسمع، وأن المعارضة الوطنية يمكن أن تكون جزءاً من الحوار الذي يخدم الدولة والمجتمع.
إن الأردن ليس ملكاً لفئة دون أخرى، ولا تختصره حكومة أو منصب أو مرحلة سياسية. إنه بيت الأردنيين جميعاً، حاكماً ومحكوم وبعشائره ومدنه وقراه ومخيماته، بمن يؤيد ومن يعارض، بمن يختار البقاء قريباً من دوائر المسؤولية ومن يعبّر عن رأيه من خارجها.
وما يجمع أبناء هذا الوطن من تاريخ وهوية ومصير أكبر من خلافاتهم السياسية، وأجدر بأن يكون أساساً للتواصل والمصالحة.
الملك عبدالله الثاني يلتقي المعارضة. ويبقى الأمل أن تكون هذه العبارة، بما تحمله من دلالة، مدخلاً إلى سؤال أردني صريح: هل نمنح المعارضة الوطنية حقها في الحوار مع القيادة، أم نترك بعض الحواجز والتصنيفات تحرم الوطن من أصوات وخبرات قد يكون في الاستماع إليها مصلحة للجميع؟
فلا تجعلوا الاختلاف جداراً بين الملك وشعبه، ولا تجعلوا القرب من القيادة امتيازاً يحتكره المتفقون في الرأي. افتحوا الأبواب للحوار، واتركوا للوقائع أن تتحدث، وللقانون أن يحكم، وللثقة أن تعيد وصل ما قطعته الخلافات.
فالأردن عائلة واحدة، وعشيرته الكبرى تضم جميع أبنائه؛ حاكماً ومحكوماً، مؤيداً ومعارضاً. والوطن الذي يتسع للجميع هو الأقدر على حماية وحدته وصون مستقبله.