(طرقات المدينة العتيقة ..الثلاثاء 6 أكتوبر 2026)
ها هي طرق المدينة العتيقة تناديني من جديد…
لا أعرف لماذا أشعر، كلما وطئت قدماي حجارتها القديمة، أنني لا أمشي في شارع، بل أمشي في ذاكرة. ذاكرة لها رائحة شتلات النعناع، ورذاذ الياسمين، وبتلات الورد المتساقطة على الأرض بفعل الخريف.
أمشي في الحارات والأزقة، وأصعد الأدراج الحجرية التي حفظت وقع أقدام أجيال كثيرة. هنا لا تبدو الطرق مجرد ممرات تصل بين بيت وبيت، أو حارة وحارة؛ إنها حكايات مفتوحة، كل حجر فيها يعرف شيئاً عن الذين مروا من هنا، وعن الذين غابوا وبقيت أصواتهم معلقة على الأبواب والنوافذ.
وفي هذه المدينة القديمة، أشعر أنني في دائرة الاتهام دائماً، بتهمة أنني من أكثر المشّائين في الطرقات والحارات والأزقة القديمة.
وهي تهمة لا أدفعها عن نفسي، بل أعترف بها وأقبلها بكل محبة.
فكيف لي أن أدافع عن نفسي، وأنا أعرف أن في كل زقاق ألف حكاية، وفي كل درج حكاية أخرى، وفي كل وجه عابر مفتاحاً لحكاية أو مقال؟
أمشي وقلب مفتوح نابض، ألتقط التفاصيل كما يلتقط المرء شيئاً ثميناً يخشى أن يفوته. قد تكون كلمة عابرة، أو نظرة من رجل يجلس أمام دكانه، أو ضحكة طفل، أو امرأة تفتح نافذتها في الصباح، أو شيخاً يراقب حركة الناس بصمت.
كل شيء هنا قابل لأن يتحول إلى حكاية.
وكل حكاية يمكن أن تصبح مقالاً.
لذلك لا أمشي في هذه الحارات بحثاً عن الطريق فقط، وإنما بحثاً عن الناس، عن وجوههم، عن أحزانهم الصغيرة، عن أفراحهم التي لا يعلنون عنها، وعن ذلك الشيء الجميل الذي بقي فيهم رغم كل ما تغير حولهم.
وكم هي وجوه الناس هنا بسيطة ودافئة وحالمة.
وجوه لا تعرف التكلف، ولا تحتاج إلى كثير من الكلام كي تقول لك: أهلاً بك.
تجد في بائع الخضار شيئاً من طيبة المدن القديمة، وفي صاحب الدكان الصغير ذاكرة شارع بأكمله، وفي الأطفال الذين يركضون بين الأزقة بقايا طفولة لم تفسدها بعد سرعة المدينة الحديثة.
وأحياناً، وأنا أمشي، أجد نفسي متورطاً في لحظة إنسانية صغيرة لا علاقة لها بالصحافة، لكنها تصلح لأن تكون عموداً كاملاً.
أمرر أصابعي على خدي، كمن يحاول أن يستعيد شيئاً من ذاكرته، فيناولني أحدهم سيجارة من صناعة وطنية، من ذلك التبغ الرديء الذي لا يحتاج إلى تعريف.
أشعلها إرضاءً لخاطره.
أسعل قليلاً…
أتجاوز الموقف بابتسامة، وأكمل المشي.
وربما كانت تلك السيجارة، بكل ما فيها من سوء، أصدق من كثير من الأشياء التي نراها في المدن الحديثة؛ لأنها جاءت من يد إنسان أراد أن يشاركك لحظة، لا أن يقدم لك شيئاً مثالياً.
أواصل المشي…
وإذا بصبية صغيرة تناديني من بعيد، ترتدي مريولها المدرسي الأخضر:
«عمو عدنان… اكتب شيئاً عنا!»
أتوقف.
ألتفت إليها وأبتسم.
كانت براءة الصبايا الصغيرات تلمع في عينيها، وكأنها لم تطلب مني مقالاً بقدر ما طلبت مني أن أترك لها مكاناً صغيراً في ذاكرة المدينة.
أعدها بالكتابة.
تضحك.
ثم تركض أمامي مثل فراشة صغيرة، وتختفي بين الحارة وأصوات الأطفال.
أعيد النظر إلى المكان…
ويعيدني المشهد، دون استئذان، إلى الصبا.
إلى حارة الرشيد في إربد القديمة، إلى أيام كانت صبايا الحي يلعبن في الساحات والأزقة، ويتقاسمن ضحكاتهن وألعابهن الصغيرة؛ «شَبْرة أمرة، شمس نجوم»، وغيرها من ألعاب الطفولة التي كانت تصنع لنا عالماً كاملاً من الفرح، دون هاتف، ودون شاشة، ودون موعد محدد للانتهاء.
كان الشارع يومها ملعباً، والحارة بيتاً كبيراً، والوجوه التي نلتقيها كل يوم جزءاً من طفولتنا.
كم تغيّر كل شيء…
وكم بقيت تلك التفاصيل الصغيرة تسكننا، مهما ابتعدنا عنها.
أبتسم وأنا أتذكر.
ثم أواصل المشي…
هكذا.
بلا موعد، وبلا خريطة.
فالمدينة العتيقة تعرف الطريق أكثر مني.
تأخذني من حكاية إلى أخرى، ومن وجه إلى وجه، ومن ذاكرة إلى ذاكرة.
حتى الصمت هنا مختلف.
صمت له رائحة القهوة، وصوت الملاعق في فناجينها، ونداء بائع قديم، وضحكة امرأة من خلف نافذة، وخطوات رجل عائد إلى بيته بعد يوم طويل.
أحياناً أشعر أن المدن الجديدة تكبر كل يوم، لكنها تنسى شيئاً من روحها في الطريق؛ أما المدينة العتيقة، فعلى الرغم من شيخوخة جدرانها، تبدو أكثر شباباً في ذاكرتها.
هي لا تتباهى بما لديها.
تترك لك أن تكتشفها وحدك.
تدخل زقاقاً ضيقاً، فتجد وراءه ساحة صغيرة. تصعد درجاً حجرياً، فتطل عليك شرفة تحمل أصيص ريحان. تنعطف عند زاوية قديمة، فتفاجئك رائحة خبز خرج لتوه من فرن الحارة.
وتواصل السير.
لا تبحث عن شيء محدد، لكنك تجد أشياء كثيرة.
تجد نفسك، ربما.
تجد طفولة بعيدة، ووجهاً كنت قد نسيته، وصوتاً لأم كانت تنادي من آخر الحارة، ورفيقاً قديماً كان يسبقك إلى الدرج ثم يلتفت ضاحكاً كي ينتظرك.
ولعل أجمل ما تمنحه لنا المدن العتيقة أنها لا تسألنا من نكون الآن، بل تذكّرنا بمن كنا.
تذكّرنا بأن الحياة لم تكن دائماً بهذه السرعة، وأن الناس كانوا يعرفون بعضهم بعضاً، وأن الجيرة لم تكن عنواناً على باب، بل علاقة تمتد من بيت إلى بيت، ومن حارة إلى حارة.
لذلك أحب المشي فيها.
أحب أن أترك للقدمين حرية اختيار الطريق، وللذاكرة حرية اختيار الحكاية.
أحب أن أمشي بلا موعد، وأن أتوقف بلا سبب، وأن أستمع إلى حديث عابر، وأن ألتقط من الشارع فكرة، ومن وجه إنسان جملة، ومن رائحة مكان ذاكرة.
فثمة أماكن لا نزورها لنصل إلى مكان آخر…
نزورها لأن الطريق إليها هو الغاية.
وفي المدينة العتيقة، كل طريق حكاية، وكل درج ذاكرة، وكل نافذة تنتظر وجهاً تعرفه، وكل بتلة ورد تسقط على حجر قديم تقول لنا، بصمتها الجميل:
ما زال في الحياة متسعٌ للحنين.