انتهت الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية التي تعيش هدنة هشة أم لم تنته، فقد نجح الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تأجيج توترات سياسية وعسكرية واقتصادية وعرقية واجتماعية، وما يتبعها من أجواء عدم الثقة واليقين، ليس على مستوى بلاده وحسب، ولا الشرق الأوسط فقط، بل العالم أجمع.
التوترات تمتد من شرق الأرض إلى غربها، ومنها استهدافات أميركية علنية وغير علنية للصين في محاولات بائسة لكبح جماحها الاقتصادي والتكنولوجي، إلى تهميش لحلفاء الأمس في أوروبا التي تشهد صعودا للتيارات القومية اليمينية، إلى إغراق روسيا عسكريا واقتصاديا أكثر في المستنقع الأوكراني، إلى محاولات واشنطن بسط الهيمنة على دول أميركا الجنوبية (فنزويلا بداية)، وشمالا (جزيرة غرينلاند)، إلى أزمة طاقة خانقة يشهدها العالم بسبب لعبة المضائق وبطلها ترامب، إلى اضطرابات في سلاسل التوريد، بفعل حرب أشعلت الشرق الأوسط بعد حرب إسرائيلية دموية في غزة، وغير ذلك الكثير.
وإذا ما أضفنا: امتلاك العالم ترسانة نووية تتجاوز 12 ألف رأس نووي يكفي 10 بالمائة منها فقط لتدمير الحضارة البشرية، وكوارث التغير المناخي التي نراها صباحا ومساء، خصوصا الارتفاعات غير المسبوقة في درجات الحرارة حول العالم بفعل الاحتباس الحراري، والتنافس غير الشريف لتطويع أنظمة الذكاء الاصطناعي، خصوصا عسكريا، لخدمة مطامع الدول – فإننا أمام وصفة جاهزة لاندلاع حرب عالمية ثالثة.
متى تنطلق شرارتها؟ فعلمها عند الله، أما كيف؟ فالسيناريوهات عديدة، وكل ذلك بسبب ترامب وسياساته!
ومنها أن تصل “نظرية الرجل المجنون”، التي يتبعها سيد البيت الأبيض إلى مرحلة من الفعل ورده على الساحة الدولية، في سعيه لامتلاك القوة والسيطرة على مقدرات العالم وإخضاع الدول لرغباته، تجد فيها روسيا والصين معا، أو الاتحاد الأوروبي، لا مفر من مجابهة الولايات المتحدة. ووقتها لن يحتاج الأمر أكثر من تصعيد جيوسياسي متهور، كما حدث في الحرب العالمية الأولى، عندما تم اغتيال ولي عهد النمسا فرانز فرديناند، مع زوجته العام 1914، وانتهت بصراع عنيف لأربع سنوات راح ضحيته نحو 22 مليون إنسان، أو كما حدث في الحرب العالمية الثانية، وكانت شرارتها غزو ألمانيا النازية، بقيادة أدولف هتلر، لبولندا العام 1939، بسبب نزاع حدودي، لتمتد الحرب إلى 6 سنوات، قتل فيها نحو 80 مليون شخص.
وللعلم، فإن عراب “نظرية الرجل المجنون” في السياسة هو الرئيس الأميركي السابع والثلاثون ريتشارد نيكسون، الذي وظفها إبان الحرب الفيتنامية التي انتهت في العام 1975، ضد خصومه من القوى الشيوعية عبر تصوير نفسه بأنه متقلب وغير عقلاني، ما نشر الذعر في قلوبهم وأجبرهم على عدم استفزازه، تجنبا لردة فعله المجنونة.
ويبقى السؤال: متى يفيض كأس العالم نقما وسخطا على ترامب؟ والجواب: العلم عند الله، لكن بوجود رجل يمتلك ما يمتلك من نرجسية مطلقة، وعقلية صفقات انتهازية، وولع بالشعبوية والأضواء، وعدم الاعتراف بالفشل بتاتا حتى العشرين من يناير 2029 في سدة البيت الأبيض، فالسيناريوهات حدث ولا حرج، خصوصا مع تآكل النظام الدولي، ووجود كونغرس أميركي لا حول له ولا قوة، بفعل انقسامات داخلية عميقة، في مواجهة شخصية سلطوية متحكمة مثل ترامب، والأخطر ما يجول في عقله من أطماع قد تحول ما يراه البعض في حرب عالمية ثالثة من خيال علمي إلى واقع مرير للبشرية.
ولنا عبرة فيما قالته مؤخرا بروفيسورة التاريخ الدولي في جامعة أكسفورد مارغريت ماكميلان: “إذا ما نظرنا إلى الحروب السابقة، ومنها الحرب العالمية الأولى، فإن كثيرا مما أشعلها في النهاية سوء تقدير الخصوم”. وفي حالتنا اليوم، قد يكون مضيق هرمز، وكبرياء الخصوم يتعاظم، سببا للكارثة العالمية الأكثر فتكا في التاريخ البشري!

