1

لندن: محمد الطّورة
الخصوصية الأمنية ليست قضية إعلامية عابرة.. فلماذا لم يُؤخذ التحذير المبكر على محمل الجد؟
قبل أن تتحول قضية نشر أخبار الترفيعات والتنقلات والمواقع العسكرية والأمنية إلى موضع نقاش عام، كان هناك تنبيه مبكر إلى خطورة التعامل مع هذه المعلومات باعتبارها أخبارًا عادية قابلة للنشر والتداول على نطاق واسع. وقد جاء ذلك في مقال بعنوان «الخصوصية الأمنية مسؤولية وطنية»، كنت قد نشرته في موقع العموم نيوز الصادر في لندن تناولت فيه مخاطر نشر مثل هذه المعلومات، وما يمكن أن تتيحه من تفاصيل قد تُجمع وتُربط وتُستغل بما يمس أمن الوطن ومؤسساته ومنتسبيه.
واليوم، ومع عودة القضية إلى الواجهة من خلال موقف نقابة الصحفيين الأردنيين، يصبح من المشروع التذكير بأن هذا التنبيه لم يكن وليد اللحظة، وأن السؤال الذي يستحق الإجابة ليس فقط: من قال ذلك أولًا؟ وإنما: لماذا لم يُؤخذ هذا التحذير المبكر بالجدية التي يستحقها عندما طُرح؟
اليوم جاء طلب نقابة الصحفيين الأردنيين، المتعلق بالتعامل مع نشر وتداول المعلومات الخاصة بالترفيعات والتعيينات والمواقع العسكرية والأمنية، ليعيد إلى الواجهة هذه القضية كقضية رأي عام يستحق نقاشًا جادًا ومسؤولًا، لا باعتبارها شأنًا إعلاميًا فحسب، وإنما باعتبارها مسألة ترتبط بأمن الوطن وسلامة مؤسساته ومنتسبيه.
وقد لفت انتباهي أن ما تضمنه موقف النقابة يتقاطع بصورة واضحة مع تحذيري السابق الذي طرحته في موقع العموم نيوز، عندما كُتب تحت عنوان «الخصوصية الأمنية مسؤولية وطنية»، محذرًا من التوسع في نشر المعلومات المتعلقة بالعاملين في المؤسسات العسكرية والأمنية، ومن تحويل بعض التفاصيل المهنية إلى معلومات متاحة عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
وها أنا اليوم أعيد التذكير بذلك المقال ليس من باب تسجيل أسبقية شخصية، وإنما لأنني أعتقد أن التحذير المبكر في القضايا الأمنية ينبغي أن يحظى بالاهتمام قبل أن تتسع الظاهرة، وليس بعد أن تصبح موضع مطالبة أو نقاش عام.
وهنا يبرز سؤال مشروع: لماذا لم يُلتفت في حينه إلى هذا التحذير، ولماذا لم يُؤخذ الموضوع على محمل الجد عندما طُرح للمرة الأولى من مواطن أردني ؟
وهل تحتاج مثل هذه القضايا إلى أن تصدر عن جهة رسمية بعينها حتى تحظى بالاهتمام؟ وهل تكون قيمة الفكرة مرتبطة بالمنبر الذي نُشرت فيه، أو بموقع صاحبها وعلاقاته، بدل أن تكون مرتبطة بما تحمله من مضمون وما يمكن أن تحققه من مصلحة للوطن؟
أطرح هذه الأسئلة لا رغبة في عتاب أحد، ولا بحثًا عن اعتراف بأسبقية، وإنما لأن التعامل مع القضايا الأمنية بهذه الطريقة قد يجعلنا أحيانًا ننتظر حتى يصبح الخطر واضحًا، بدل أن نلتقط إشاراته في وقت مبكر.
فالمسألة في جوهرها بسيطة: عندما يتعلق الأمر بالمؤسسات العسكرية والأمنية، فإن بعض المعلومات التي تبدو اجتماعية أو بروتوكولية قد تكون لها قيمة مختلفة تمامًا إذا جرى جمعها مع معلومات أخرى منشورة في أوقات ومناسبات مختلفة.
وقد تكون المعلومة الواحدة غير ذات أهمية، لكن تراكم المعلومات هو الذي يستحق الحذر.
وإليكم نص المقال الذي كنت قد نشرته في وقت سابق تحت عنوان “الخصوصية الأمنية مسؤولية وطنية” :
تابعت خلال الأيام الماضية، من لندن، وأنا أرصد أخبار الأردن الحبيب موجة واسعة من رسائل التهنئة والبرقيات والمنشورات التي يتبادلها الأقارب والأصدقاء بمناسبة موسم الترفيعات والتعيينات الاعتيادية في صفوف القوات المسلحة والأجهزة الأمنية. ولا شك أن هذه المبادرات تنطلق من مشاعر طيبة، ومن الاعتزاز بمن نالوا ثقة مؤسساتهم، ولا يمكن أن يكون المقصود من هذا المقال الانتقاص من تلك المشاعر أو التضييق على أصحابها.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه بهدوء هو:
هل كل ما نعرفه عن شخص يعمل في مؤسسة عسكرية أو أمنية ينبغي أن يصبح متاحًا للجميع؟ وهل كل معلومة صحيحة تصلح بالضرورة للنشر العام؟
هنا تحديدًا تكمن حساسية المسألة.
فذكر رتبة شخص، أو منصبه، أو موقع عمله، أو طبيعة مسؤولياته، قد يبدو في سياق التهنئة أمرًا عاديًا، لكن نشر هذه المعلومات على نطاق واسع يجعلها جزءًا من المعلومات المتاحة للجميع، وقد تصبح ذات قيمة مختلفة عندما تُجمع مع معلومات أخرى أو تُربط ببيانات منشورة في أوقات ومناسبات مختلفة.
فالخطر لا يكمن دائمًا في المعلومة منفردة، وإنما في الصورة التي يمكن أن تتشكل من مجموع المعلومات.
وفي عصر أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة سهلة وسريعة لتبادل الأخبار والصور والتفاصيل الشخصية والمهنية، لم تعد المعلومة المنشورة تبقى في نطاق دائرة الأصدقاء والأقارب كما كان يحدث في الماضي، بل يمكن أن تصل إلى جمهور واسع، وأن تبقى محفوظة وقابلة للبحث وإعادة التداول.
وقد لا يدرك من ينشر معلومة بدافع المحبة أو الفخر أن هذه المعلومة، بعد خروجها إلى الفضاء العام، لم تعد ملكًا لدائرة اجتماعية محدودة، وإنما أصبحت متاحة لمن يبحث عنها أو يستطيع ربطها بمعلومات أخرى.
ومن هنا، فإن الدعوة إلى قدر أكبر من التحفظ ليست دعوة إلى تكميم الأفواه، ولا إلى التدخل في علاقات الناس الاجتماعية، ولا إلى الانتقاص من حرية الصحافة.
إنها ببساطة دعوة إلى التمييز بين التعبير عن التهنئة وبين كشف التفاصيل المهنية.
المسؤولية الرسمية أولًا
وأعتقد أن المسؤولية الأولى في هذا المجال تقع على الجهات الرسمية المختصة، التي يفترض أن تكون أكثر إدراكًا لحساسية المعلومات المتعلقة بالقوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وأن تضع قواعد واضحة لما يجوز نشره وما ينبغي أن يبقى في نطاق محدود.
فالإعلان عن الترفيعات والتعيينات والمناصب والمواقع العسكرية والأمنية لا ينبغي أن يكون أمرًا تلقائيًا في كل الحالات، وإنما ينبغي أن يخضع لتقدير الضرورة الرسمية والمصلحة العامة، ووفق القوانين والأنظمة النافذة، وبما لا يكشف تفاصيل قد تمس أمن العمل أو خصوصية المنتسبين.
ومن المهم أن تكون هناك سياسة واضحة وثابتة، لا أن تترك المسألة للاجتهاد الفردي في كل مناسبة، لأن وضوح القواعد يساعد المؤسسات الإعلامية والمواطنين على معرفة حدود ما يمكن نشره وتداوله.
أما وسائل الإعلام، فعليها مسؤولية مهنية في تقدير طبيعة المعلومات التي تنشرها، وعلى المواطنين كذلك مسؤولية وطنية في عدم تحويل مناسبات التهنئة إلى مناسبات لكشف الرتبة والمنصب ومكان العمل وطبيعة المهمة والصور والسيرة الوظيفية.
فالتهنئة لا تحتاج إلى ذكر كل التفاصيل.
يمكن أن تكون التهنئة جميلة وصادقة ومعبّرة من دون أن تكشف الرتبة والمنصب ومكان العمل وطبيعة المهمة.
الخصوصية لا تنتهي بالتقاعد
ولا ينبغي أن يتوقف الأمر عند الترفيع أو التعيين.
فحتى عند إحالة أحد العاملين في المؤسسات العسكرية أو الأمنية إلى التقاعد، ينبغي أن تبقى الخصوصية حاضرة. فعبارات التهنئة بالتقاعد أو الإشادة بمسيرة الشخص قد تتحول أحيانًا إلى سرد تفصيلي للمواقع التي شغلها، والمهام التي قام بها، والجهات التي عمل معها، والمسؤوليات التي تحملها خلال سنوات خدمته.
كما أن الإشادة بمزايا الشخص عندما كان في موقع عسكري أو أمني يجب ألا تتحول إلى استعراض لتفاصيل طبيعة عمله أو مسؤولياته أو علاقاته المهنية السابقة.
تقدير الإنسان شيء، وكشف تفاصيل خدمته شيء آخر.
فلا أحد يدعو إلى الانتقاص من رتبة المتقاعد أو إنجازاته أو سنوات خدمته، ولا إلى حرمان أسرته وأصدقائه من الاحتفاء به. المطلوب فقط أن يبقى التقدير في إطاره الإنساني والاجتماعي، وألا يتحول إلى نشر معلومات قد يكون من الأفضل أن تظل خارج التداول العام.
وفي مؤسسات عسكرية وأمنية كثيرة حول العالم، لا تكون قيمة الخدمة مرتبطة بحجم ما يُعلن عنها، بل بقدر ما يُحفظ من تفاصيلها. فقد يقضي الفرد سنوات في أداء واجباته، ثم يغادر الخدمة من دون أن تُعرف على نطاق واسع طبيعة مسؤولياته أو المواقع التي عمل فيها، وربما لا يحيط بها علمًا إلا من تقتضي طبيعة العمل اطلاعهم عليها.
وهذا ليس إغفالًا لجهده أو تقليلًا من مكانته، وإنما نهج مهني يعكس حساسية الواجب، ويؤكد أن حماية المعلومات جزء من خدمة الوطن، وقد يستمر أثرها حتى بعد انتهاء الخدمة.
ليست كل المناصب سواء
وبطبيعة الحال، لا يمكن أن تكون القاعدة مطلقة.
فكبار قادة القوات المسلحة، ومديرو الأجهزة الأمنية ومن هم في مواقع مماثلة، تفرض طبيعة مسؤولياتهم أن تكون صفاتهم ورتبهم معروفة في كثير من الأحيان، بحكم التمثيل الرسمي واللقاءات والتواصل مع نظرائهم في الدول الأخرى إضافة للتلميح لبعض إنجازاتهم لتكون محفزاً لمن يأتي من بعدهم.
فالمطلوب ليس إخفاء ما تفرض الضرورة الرسمية إظهاره، وإنما منع التوسع غير الضروري في المعلومات.
لماذا لا نأخذ التحذير المبكر بجدية؟
أعود هنا إلى النقطة التي دفعتني إلى كتابة هذا المقال.
كما أوضحت لقد سبق أن طرحت التحذير في مقال «الخصوصية الأمنية مسؤولية وطنية»، وكان جوهره التنبيه إلى ظاهرة قد تتسع مع الاستخدام المتزايد لوسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وما يمكن أن ينتج عنها من تراكم معلومات عن الأشخاص والمواقع والمسؤوليات.
واليوم، عندما تطرح نقابة الصحفيين الموضوع، يصبح من المشروع أن نتساءل:
لماذا لم تحظَ هذه المسألة بالاهتمام الرسمي عندما جرى التحذير منها في وقت مبكر؟
ولماذا لا تؤخذ بعض التنبيهات بالجدية المطلوبة إلا عندما تأتي لاحقًا في إطار موقف أو طلب صادر عن جهة مؤسسية؟
وهل ينبغي أن ننتظر حتى تتبنى جهة معروفة فكرة ما حتى نبدأ بالتعامل معها، أم أن المصلحة الوطنية تقتضي أن نستمع إلى كل تنبيه جاد، ونناقشه، ونتحقق منه، بصرف النظر عن صاحبه والمنبر الذي نُشر فيه؟
هذه الأسئلة، في تقديري، أهم من مسألة من كان الأسبق.
فالقضية ليست انتصارًا لكاتب، ولا تسجيل نقطة على نقابة الصحفيين، ولا خلافًا بين الصحافة والمؤسسات الأمنية.
dina s