لندن: محمد الطّورة
تُنسب إلى بعض التجارب الإدارية والسياسية عبارة ساخرة تقول: «إذا أردت أن تفشل أمرًا، فشكّل له لجنة.» وليس المقصود بالضرورة أن كل لجنة وُجدت لتعطيل العمل أو إفشاله، فاللجان قد تكون ضرورية لدراسة القضايا المعقدة والوصول إلى قرارات مدروسة، لكن العبارة تكشف عن ظاهرة معروفة: عندما تتحول اللجنة من وسيلة لاتخاذ القرار إلى وسيلة لتأجيله، يصبح تشكيلها بداية لمسار طويل من الاجتماعات والمداولات والمراسلات، وقد ينتهي الأمر من دون نتيجة واضحة. وهكذا تنتقل المشكلة من مرحلة الحل إلى مرحلة الدراسة، ثم من الدراسة إلى التوصيات، ثم من التوصيات إلى لجنة أخرى، بينما يظل أصل المشكلة قائمًا.
لكن إذا كانت اللجنة في الماضي وسيلة يمكن أن تُستخدم لتأجيل القرار، فإن عصرنا الرقمي أوجد وسيلة أخرى أكثر سرعة وفاعلية: إدارة الانتباه. ومن هنا يمكن أن نقول، على سبيل السخرية السياسية المعاصرة: «إذا أردت أن تشغل شعبًا، فعيّن له ناطقًا رقميًا.»
الفارق بين العبارتين مهم. اللجنة قد تجعل القضية تدور داخل المؤسسات، أما الناطق الرقمي فيجعلها تدور داخل المجتمع. في الحالة الأولى تضيع القضية بين الملفات والاجتماعات والتوصيات، وفي الحالة الثانية قد تضيع بين التصريحات والتعليقات والردود والمنشورات ومقاطع الفيديو. وفي الحالتين يمكن أن يحدث الشيء نفسه: يبقى السؤال الأصلي في الخلفية، بينما ينشغل الجميع بشيء آخر.
فالناطق الرقمي، عندما يؤدي دوره بصورة مهنية، يمكن أن يكون وسيلة مهمة للتواصل مع المواطنين، وشرح القرارات، وتقديم المعلومات، والرد على الشائعات. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول وجوده إلى بديل عن الفعل، أو عندما يصبح التصريح نفسه حدثًا يتكرر كل يوم، بحيث ينشغل الجمهور بما قاله الناطق أكثر من انشغاله بما حدث على أرض الواقع. عندها يصبح السؤال: «ماذا قال؟» أهم من السؤال: «ماذا فعلت الجهة المسؤولة؟»
وهنا تلتقي اللجنة بالناطق الرقمي في نقطة واحدة، رغم اختلاف الوسيلة. اللجنة يمكن أن تستخدم الوقت لتأجيل القرار، والناطق الرقمي يمكن أن يستخدم الكلام لاستهلاك انتباه الجمهور. الأولى قد تجعل المشكلة عالقة داخل المؤسسة، والثاني قد يجعلها غارقة في الجدل العام. وفي الحالتين قد يجد المواطن نفسه أمام حركة كثيرة، لكن بنتائج قليلة.
تخيل قضية عامة تنتظر حلًا. بدل أن نرى قرارًا واضحًا وجدولًا زمنيًا وتنفيذًا ومحاسبة، نبدأ بسماع تصريحات متتالية: تصريح يشرح، وتصريح يوضح، وتصريح ينفي، وتصريح يرد على الانتقادات، ثم يظهر رد على الرد، وتبدأ وسائل التواصل في تحليل كل كلمة. وبعد أيام يصبح الناس منشغلين بالشخص الذي تحدث، وبأسلوبه، وباختياره للكلمات، وبمن رد عليه، وينسون السؤال الذي بدأ منه كل شيء: أين الحل؟
وهنا تكمن قوة الإعلام الرقمي وخطورته في الوقت نفسه. فالإنسان يستطيع أن يشعر بأنه يتابع القضية لحظة بلحظة، بينما هو في الحقيقة قد يكون يتابع سلسلة من التصريحات حول القضية لا القضية نفسها. وقد يتحول الجدل إلى غاية مستقلة، بحيث يصبح استمرار الحديث عن المشكلة أهم من الوصول إلى نهايتها.
ومن هنا يمكن أن نفهم التطور الساخر في العبارة القديمة: «إذا أردت أن تفشل أمرًا، فشكّل له لجنة؛ وإذا أردت أن تشغل شعبًا، فعيّن له ناطقًا رقميًا.» اللجنة تستهلك وقت المؤسسة، والناطق الرقمي قد يستهلك وقت الجمهور. اللجنة قد تدفن القرار تحت طبقات من الإجراءات، والناطق قد يدفن القضية تحت طبقات من الضجيج.
لكن المشكلة ليست في اللجنة ولا في الناطق بحد ذاتهما، وإنما في تحويل الوسيلة إلى بديل عن النتيجة. فاللجنة الناجحة هي التي تدرس ثم تصل إلى قرار، والناطق الناجح هو الذي يتحدث ثم يقود الناس إلى الحقيقة والنتيجة، لا الذي يجعل التصريحات هدفًا في حد ذاتها. فالمواطن لا يحتاج إلى أن يسمع كل يوم أن المشكلة قيد المتابعة؛ بل يحتاج إلى أن يعرف ماذا أُنجز، وما الذي لم يُنجز، ومن المسؤول، ومتى سيكتمل العمل.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم هو: كم عدد اللجان التي شُكلت؟ ولا كم عدد التصريحات التي صدرت؟ وإنما: ماذا تغير بعد كل هذه اللجان وكل هذه التصريحات؟
فإذا كانت اللجنة قد شُكلت ولم تصل إلى قرار، والناطق قد تحدث ولم تظهر نتيجة، فقد نجحنا في إدارة الوقت والاهتمام، لكننا لم ننجح بالضرورة في إدارة المشكلة.
وهنا تصبح العبارة أكثر قسوة: قد تفشل بعض القضايا بسبب كثرة اللجان، وقد ينسى الناس بعضها بسبب كثرة الناطقين؛ وبين تأجيل القرار وتشتيت الانتباه، تضيع الحقيقة الأهم: أن الناس في النهاية لا يعيشون على التوصيات والتصريحات، وإنما على النتائج.