
بقلم: محمد الطورة
وطن الأمن والأمان ليس وطناّ لا تقع فيه جريمة،بل وطن لا يسمح للجريمة بأن تصبح قاعدة
وطن الأمن والأمان لا يسمح للفتنة بأن تتحول إلى واقع، ولا يسمح للإرهاب والانقسام بأن ينالا من وحدة أبنائه.
بعد الأحداث المؤسفة التي شهدها الأردن مؤخراً، يخرج علينا من يتساءل، وربما بشيء من السخرية: أين وطن الأمن والأمان الذي تتحدثون عنه؟ وأين الاستقرار الذي تتغنون به؟
ولعل الإجابة تبدأ بسؤال أكثر واقعية: هل توجد دولة في هذا العالم لا تقع فيها حوادث اعتداء أو جرائم أو أعمال عنف؟ وهل أصبح الأمن والأمان يعنيان أن لا تقع حادثة هنا أو جريمة هناك؟ أم أن المعيار الحقيقي لأمن الدول واستقرارها هو قدرتها على مواجهة مثل هذه الأحداث، والتعامل معها وفق القانون، والحفاظ على حياة مواطنيها وطمأنينتهم؟
نعم، شهد الأردن أحداثاً مؤسفة ومؤلمة، بدءاً من الاعتداء الذي استهدف كنيسة في الكرك، وصولاً إلى حادثة طعن رجل الأمن العام في عمّان، والتي أودت بحياة أحد منتسبي الجهاز. وهي أحداث لا يمكن التقليل من خطورتها أو الاستهانة بآثارها، ولا سيما ما يتعلق منها بأرواح الأبرياء ورجال الأمن الذين يؤدون واجبهم في حماية الوطن والمواطن.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: لماذا أخذت هذه الحوادث كل هذا الاهتمام والقلق في المجتمع الأردني؟
الإجابة ببساطة أن مثل هذه الأفعال غريبة عن طبيعة المجتمع الأردني وقيمه وتقاليده، وليست مما اعتاد عليه الأردنيون في حياتهم اليومية. إنها حوادث دخيلة على ثقافة مجتمع عُرف بالتسامح والتكافل والتعاضد، وبعلاقاته الاجتماعية التي تجاوزت دائماً حدود الاختلافات والمناطق والانتماءات.
وهنا تكمن المفارقة؛ فلو كانت هذه الممارسات أمراً مألوفاً في حياة الأردنيين لما أثارت كل هذا الاستنكار والقلق. لكن رفض المجتمع لها، واستنكاره وقوعها، هو في حد ذاته تعبير عن تمسكه بقيمه وحرصه على الصورة التي عرف بها وطنه.
ولنكن واقعيين؛ فليس هناك دولة في العالم، مهما بلغت قوتها الأمنية أو تطور مؤسساتها، بمنأى عن الجرائم والحوادث الفردية والاعتداءات. تقع مثل هذه الأحداث في دول كبرى تمتلك أحدث التقنيات الأمنية وأوسع الإمكانات، ولا يعني وقوعها بالضرورة انهيار منظومة الأمن فيها أو فقدانها صفة الاستقرار.
فالأمن ليس ادعاءً بأن الجريمة لن تقع مطلقاً، وإنما هو قدرة الدولة على منع الجريمة قدر الإمكان، وملاحقة مرتكبيها، وحماية المجتمع، وإنفاذ القانون، وعدم السماح للحوادث الفردية بأن تتحول إلى حالة عامة أو أن تهدد السلم الاجتماعي.
ومن الإنصاف أيضاً ألا نحاكم وطناً بأكمله بسبب تصرفات أفراد، وألا نحمّل مجتمعاً بأسره مسؤولية أفعال لا تمثله ولا تعبر عن قيمه. فالأردن الذي عرفناه لا يُختصر في حادثة اعتداء، ولا تُقاس مكانته الأمنية بحادثة طعن، بل بتاريخه الطويل من الاستقرار، وبوعي أبنائه، وتماسك مؤسساته، وقدرة مجتمعه على تجاوز التحديات.
ومع ذلك، فإن الدفاع عن صورة الأردن لا يعني تجاهل الأخطاء أو التقليل من خطورة ما حدث. بل إن المسؤولية الوطنية تقتضي مراجعة الأسباب، وتعزيز الإجراءات الوقائية، ومواجهة أي فكر متطرف أو سلوك إجرامي، وتوفير الحماية اللازمة للمواطنين ورجال الأمن، حتى لا تتكرر مثل هذه المآسي.
كما أن على الإعلام مسؤولية كبيرة في هذه المرحلة؛ فلا يكون أسير التهويل وإثارة المخاوف، ولا يتعامل مع الأحداث بمنطق التبرير والإنكار، وإنما يضع الوقائع في سياقها الصحيح، ويفصل بين النقد المسؤول ومحاولات التشكيك في استقرار الوطن.
إن الأردن لم يكن يوماً وطناً بلا تحديات، لكنه كان دائماً وطناً يعرف كيف يواجهها. وما يمنح الأردنيين الثقة ليس الاعتقاد بأن الأخطار لن تطرق أبوابهم، وإنما إيمانهم بقدرة دولتهم ومؤسساتهم ومجتمعهم على التصدي لها.
أما الذين يسألون بسخرية: أين وطن الأمن والأمان؟ فنقول لهم: إن وطن الأمن والأمان ليس وطناً لا تقع فيه جريمة، بل وطن لا يسمح للجريمة بأن تصبح قاعدة، ولا يسمح للفتنة بأن تتحول إلى واقع، ولا يسمح للإرهاب والانقسام بأن ينالا من وحدة أبنائه.
ستبقى يا أردن وطناً للأمن والأمان، لا لأنك بمنأى عن الحوادث والتحديات، بل لأنك تملك من الوعي والتماسك والإرادة ما يجعلك قادراً على مواجهتها.
ستبقى عصيّاً على الفتنة والإرهاب والانقسام، وسيبقى الأردنيون، على اختلاف مواقعهم وانتماءاتهم، أبناء وطن واحد، يجمعهم المصير وتحميهم وحدتهم.
حمى الله الأردن وشعبه وقيادته، ورحم شهداء الوطن، وحفظ رجال الأمن الذين يحملون أمانة حمايته.
Message. For JAWS, turn virtual PC Cursor on if needed.