لندن: محمد الطّورة
الأمير الحسن بن طلال… حين تتحول الكلمة إلى درس في المواطنة والتاريخ والإنسانية.
شدّني حديث سمو الأمير الحسن بن طلال، “أبو راشد”، في بيت عزاء ذوي شهداء الجريمة الإرهابية النكراء التي استهدفت كنيسة حمود في الكرك، وأعادني إلى سنوات مضت، حين كنت أتشرف باستقبال سموه ووداعه خلال زياراته إلى المملكة المتحدة.
كانت تلك اللقاءات تتيح لي فرصة الجلوس في حضرة سموه، والإصغاء إليه عن قرب، والتأمل في ما كان يطرحه من أفكار ورؤى، وفي ما تحمله عباراته وكلماته من عمق يتجاوز حدود المناسبة التي تقال فيها. كنت أشعر، وأنا أجلس أمامه، أن كل كلمة تستحق الإصغاء، وأن وراء كل عبارة فكرة، وفي كل فكرة درساً أو موعظة أو حكمة تترك أثرها في الوجدان، وتظل راسخة في الذاكرة لما تحمله من معانٍ إنسانية وفكرية، ولما تنطوي عليه من رسائل إيجابية تتصل بالإنسان والوطن والتاريخ والمستقبل.
ولعل ما جعل حديث سموه في بيت العزاء هذه المرة يلامس وجداني بصورة خاصة هو أنني، بوصفي أردنياً أعتز بهويتي وانتمائي الوطني، وأحمل محبة راسخة للعائلة الهاشمية واعتزازاً بتاريخها ودورها في مسيرة الأردن، وجدت في تلك الكلمات تعبيراً صادقاً عن القيم التي نؤمن بها ونعتز بها؛ قيم الوحدة الوطنية، والتآخي، والاحترام المتبادل، والشراكة في الوطن والمصير.
ولذلك، فإن ما قاله سموه في بيت العزاء لم يكن بالنسبة لي مجرد حديث مؤثر فرضته مناسبة حزينة، بل كان امتداداً لنهج فكري وإنساني عرفته في سموه من خلال تلك اللقاءات، وتابعت حضوره في مواقفه وكلماته على امتداد السنوات. فقد استوقفني مجدداً ذلك العمق الذي يتحدث به، وتلك القدرة على استحضار التاريخ وربطه بالحاضر، واستخلاص المعاني التي تعزز وحدة المجتمع وتماسكه، بعيداً عن ضيق التصنيفات الدينية أو الطائفية.
ولعل ما جعلني أتوقف طويلاً عند حديثه هذه المرة هو أنه جاء في لحظة ألم وطني، وفي بيت عزاء، حيث تتحول الكلمات الصادقة إلى مواقف، وتصبح الحكمة مسؤولية، ويغدو الحديث عن الأخوّة والتآخي والوحدة الوطنية أكثر من مجرد شعارات؛ إنه تأكيد على حقيقة الأردن الذي نعرفه ونؤمن به، الأردن الذي يتشارك فيه المسلم والمسيحي التاريخ والأرض والمصير، وتجمع أبناءه رابطة المواطنة والانتماء.
ومن هنا جاءت رغبتي في الكتابة عن ذلك المشهد، وعن حرارة تصفيق الحاضرين لكلمات سموه؛ ليس من باب استعادة مناسبة عابرة، وإنما للتوقف عند شخصية أمير هاشمي، ومفكر صاحب رؤية، وسياسي محنك، أدرك أن الكلمة ليست مجرد حديث يُقال، بل مسؤولية وأمانة ورسالة قد تبقى في ذاكرة الناس طويلاً.
لم يكن التصفيق الذي دوّى في ديوان أبناء الكرك بدابوق، خلال تقديم سمو الأمير الحسن بن طلال واجب العزاء بذوي شهداء الاعتداء الإرهابي على كنيسة القديس جورجيوس في قرية حمود بالكرك، مجرد تعبير عن الترحيب بأمير هاشمي، ولا مجرد تحية لمقام رفيع؛ بل كان، في عمقه، تعبيراً صادقاً عن محبة الأردنيين لسموه، وعن تفاعلهم مع كلمات خرجت من قلب يؤمن بالأردن الواحد، وبأن ما يجمع أبناءه أكبر بكثير مما قد يحاول العابثون زرعه بينهم من فرقة أو كراهية.
كان المشهد مؤثراً بكل تفاصيله؛ فالمناسبة مناسبة عزاء وحزن، والجرح جرح أردني أصاب الجميع، والحديث حديث عن جريمة استهدفت أناساً آمنين في مكان للعبادة. وفي هذا المقام، جاء حضور الأمير الحسن وكلمته ليؤكدا أن المصاب ليس مصاب عائلات الشهداء وحدها، ولا مصاب أبناء الطائفة المسيحية وحدهم، بل هو مصاب الأردن كله.
ولعل ما يستحق التوقف عنده في حديث سموه هو ذلك العمق التاريخي والإنساني الذي تناوله وهو يتحدث عن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين العرب. فقد أعادنا إلى جذور هذه العلاقة الممتدة في التاريخ العربي، مستحضراً الغساسنة والمناذرة، وما يجمع أبناء هذه المنطقة من تاريخ وحضارة ومصير مشترك.
وكان لافتاً توقف سموه عند كلمة «نصارى»، مستحضراً معنى النصرة والمؤازرة، ومشيراً إلى أن المسيحيين كانوا من الذين ناصروا المسلمين العرب والهاشميين. وهي إشارة تحمل بعداً تاريخياً ورمزياً عميقاً، وتذكرنا بأن المسيحيين العرب لم يكونوا يوماً غرباء عن محيطهم، بل كانوا شركاء في صناعة تاريخه والدفاع عن هويته وحضارته.
إنها قراءة تستحق التأمل؛ فالأمير الحسن لم يتناول العلاقة بين المسلمين والمسيحيين باعتبارها مجرد تعايش بين جماعتين، بل باعتبارها تاريخاً مشتركاً وعروبة جامعة، وعلاقة إنسانية لا يجوز اختزالها في اختلاف المعتقد أو تصنيف الناس إلى أكثرية وأقلية.
ولعل أكثر ما يختصر هذه الرؤية تأكيد سموه أن المجتمع الأردني يضم مكونات مختلفة، لكنه لا يعرف منطق الأقليات، وأن كلمة «أقليات» ينبغي أن تُشطب من القاموس الأردني.
وهنا تكمن قيمة الرسالة. فالمواطنة ليست مسألة أعداد، ولا تقاس بحجم الجماعات، ولا تمنح على أساس الانتماء الديني؛ إنها حق أصيل وشراكة كاملة في الوطن، وفي حاضره ومستقبله، وفي أفراحه وأتراحه.
ولم تغب عن حديث سموه تلك اللمسة الهاشمية التي تستحضر الوصية بحسن الجوار، حين أشار إلى وصية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بسابع جار، مؤكداً أن هذه القيم الإنسانية ستبقى حاضرة في نهج الهاشميين.
وما بين هذه المعاني، بدا واضحاً أن الأمير الحسن لا يتحدث باعتباره صاحب مقام فحسب، بل باعتباره صاحب مشروع فكري وإنساني، ورجل دولة أدرك مبكراً أن قوة الأوطان لا تُقاس بما تملكه من أدوات القوة وحدها، وإنما بقدرتها على حماية نسيجها الاجتماعي، وصيانة كرامة مواطنيها، وترسيخ قيم التسامح والعدالة والانتماء.
أما ذلك التصفيق الحار الذي تردد في أرجاء المكان، فقد كان بحد ذاته رسالة تستحق القراءة. فالجماهير لا تصفق دائماً للمناصب والألقاب؛ إنها تصفق حين تجد في الكلام ما يلامس وجدانها، وحين تشعر أن من يتحدث يعبر عن ضميرها، ويقول ما تؤمن به وما تريد أن تسمعه.
لقد كان تصفيق الأردنيين لسمو الأمير الحسن تصفيقاً للأردن الذي نريده؛ الأردن الذي لا تفرق أبناءه كنيسة أو مسجد، ولا تميز بينهم عقيدة أو طائفة، ولا تسمح جريمة إرهابية بأن تنال من وحدتهم.
إنها قيمة الكلمة حين تصدر عن رجل جمع بين الإرث الهاشمي العريق، والخبرة السياسية، والثقافة الموسوعية، والرؤية الإنسانية. وهي أيضاً قيمة الموقف حين يأتي في لحظة ألم، فيكون عزاءً للقلوب، ورسالة للمتطرفين، وتأكيداً على أن هذا الوطن عصيّ على الفتنة.
فحين يتحدث سمو الأمير أبو راشد، لا تصفق الجماهير لمجرد أن أميراً يتحدث؛ بل تصفق لأن في كلماته ما يستحق الإصغاء، وفي معانيها ما يستحق الاحترام، وفي مواقفه ما يعزز محبتها للأردن وقيادته الهاشمية.
حفظ الله الأردن، وحفظ قيادته الهاشمية، ورحم شهداء الوطن، وأدام بين أبنائه المحبة والأخوّة والتآخي.