لندن: محمد الطّورة
غضبة الملك تتحول إلى فعل.. والأجهزة الأمنية عند الوعد
اليوم، جاءت الأخبار التي انتظرها الأردنيون لتبعث برسالة طمأنينة إلى النفوس، بعدما أعلنت مديرية الأمن العام، فجر الاثنين 26 تشرين الأول 2026، إلقاء القبض على الأشخاص الثلاثة المتهمين بتنفيذ الهجوم، إثر عملية أمنية مشتركة أعقبت جهودًا متواصلة في البحث والتمشيط. ووفقًا للإعلان الأمني، تحصّن المشتبه بهم داخل منزل مهجور، ورفضوا الاستسلام، وبادروا بإطلاق النار على القوة الأمنية، التي تعاملت معهم وفق قواعد الاشتباك، وانتهت العملية بالقبض عليهم بعد إصابتهم، دون تسجيل إصابات في صفوف القوة الأمنية، وضبط أسلحة وذخائر في المكان. المصدر: وكالة الأناضول.
هنا تتجلى قيمة الدولة حين تكون حاضرة بالفعل لا بالشعارات، وحين تتحول التعهدات إلى عمل ميداني منظم، وتتحول المتابعة الأمنية إلى نتيجة يلمسها المواطن في واقعه. لقد أثبتت هذه العملية أن الأجهزة الأمنية الأردنية، بما تمتلكه من خبرة وتنسيق وقدرة على المتابعة، قادرة على ملاحقة المطلوبين والتعامل مع التهديدات، وأن الوصول إلى الجناة لا تحكمه رغبة الانتقام، بل تحكمه مسؤولية حماية الناس وإخضاع المعتدين للقانون.
ولعل أبرز ما في هذا المشهد أن الدولة لم تترك مساحة للغموض بشأن موقفها من الجريمة؛ فالرسالة الملكية كانت واضحة في الحزم، والجهد الأمني جاء ليترجم هذا الحزم إلى إجراءات. غير أن اكتمال العدالة لا يتحقق بمجرد القبض على المتهمين، مهما كانت أهمية هذه الخطوة، بل باستكمال التحقيقات، وكشف ملابسات الجريمة ودوافعها، وتقديم المسؤولين عنها إلى القضاء، وإنزال العقوبات التي يقررها القانون بعد محاكمة عادلة.
الملك بين أهله.. حين يتقدم القائد إلى وجع الناس
لم يكن موقف جلالة الملك عبدالله الثاني من هذه الجريمة موقفًا بعيدًا عن وجع الناس؛ فقد حرص جلالته على متابعة تداعيات الحادثة، وأكد أن الأردن سيواجه العمل الإرهابي بأشد العقوبات، وأن من يتوهم أن رصاص الغدر قادر على شق صف الأردنيين قد خاب مسعاه، مشددًا على التعامل بحزم مع كل من يتطاول على أمن الوطن.
هذه الكلمات ليست مجرد عبارات سياسية تقال في لحظة أزمة، بل تحمل مضمونًا وطنيًا عميقًا: لا يجوز أن يشعر مواطن أردني بأنه أقل أمنًا أو حماية بسبب دينه، ولا أن يخشى على حياته لأنه يمارس شعائره أو يشارك أبناء بلدته أفراحهم وأحزانهم. فالدولة التي تحمي مواطنيها هي الدولة التي تقف معهم جميعًا، دون تمييز، وتؤكد أن كرامتهم وأمنهم حق أصيل لا يخضع لمزاج المتطرفين أو نزعات الحقد والكراهية.
وفي مثل هذه اللحظات، تتقدم صورة الملك بوصفه رأس الدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة، والمسؤول عن صون وحدة الوطن واستقراره، لتبعث برسالة إلى الأردنيين مفادها أن المصاب واحد، وأن الدم الذي أريق في الكرك ليس شأنًا يخص عائلات بعينها أو أبناء طائفة بعينها، بل جرح أصاب الأسرة الأردنية كلها.
إن الغضب الملكي الحقيقي لا يقاس بحدة الملامح وحدها، وإنما بما يتبعها من مواقف وقرارات وعمل مؤسسي. وما ينتظره الأردنيون اليوم هو أن تستمر هذه الإرادة الحازمة حتى تظهر الحقيقة كاملة، وينال كل من تثبت مسؤوليته جزاءه العادل، وتُتخذ الإجراءات التي تحول دون تكرار مثل هذه الجرائم.
الكرك.. ذاكرة الدم الواحد وشهادة قلعتها
ولأن الكرك ليست مدينة عابرة في تاريخ الأردن، فإن استحضار ما جرى فيها قبل سنوات يضاعف وقع المأساة الحالية. فهذه المدينة التي قدمت الشهداء دفاعًا عن الوطن، ووقفت في مواجهة الإرهاب، تعرف جيدًا أن التطرف لا يسأل ضحيته عن دينها قبل أن يستهدفها، وأن رصاص الغدر لا يحمل هوية دينية، بل يحمل مشروعًا واحدًا هو إشاعة الخوف والفرقة وضرب الثقة بين أبناء المجتمع.
في أحداث قلعة الكرك عام 2016، واجه الأردن هجومًا إرهابيًا سقط خلاله شهداء من رجال الأمن والمدنيين، مسلمين ومسيحيين، في واحدة من المحطات المؤلمة التي أكدت أن الإرهاب عدو لكل الأردنيين، وأن الضحية قد يكون ابن أي بيت من بيوت هذا الوطن. وقد أثبتت تلك الأحداث أن الكرك، بتاريخها الوطني وأهلها، أكبر من أن تنكسر أمام الإرهاب، وأصلب من أن تسمح للمجرمين بتحويل اختلاف الدين إلى حاجز بين أبناء المدينة الواحدة.
واليوم، تعود الكرك لتذكرنا بالحقيقة ذاتها: أن من يطلق النار على مواطن مسيحي داخل دار عبادة لا يعتدي على المسيحيين وحدهم، بل يعتدي على المسلمين الذين يرفضون الجريمة، وعلى الدولة التي تحمي حرية العبادة، وعلى كل أردني يؤمن بأن المواطنة هي الأساس الذي يجمعنا.
ومن الظلم أن تُحمّل جريمة مجموعة من المتهمين مجتمعًا بأكمله مسؤوليتها، أو أن يُسمح للمجرمين بأن يحققوا، فوق ما اقترفوه من قتل وترويع، هدفًا إضافيًا يتمثل في بث الشك بين الجيران والأصدقاء وأبناء المدينة الواحدة. فالأردنيون يعرفون بعضهم بعضًا، وتاريخهم المشترك أقدم من كل خطاب متطرف، وأقوى من كل محاولة لزرع الفتنة.
لا فرق بين مسجد وكنيسة.. ولا بين دماء الأردنيين
إن أخطر ما في هذه الجريمة ليس عدد ضحاياها وحده، على فداحة الخسارة، بل الرسالة التي أراد مرتكبوها إيصالها من خلال الاعتداء على مواطنين في مكان عبادة. إنها محاولة للنيل من حق الإنسان في الحياة والأمان، وضرب مبدأ أساسي قامت عليه الدولة الأردنية، وهو أن حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية مصونة، وأن دور العبادة ليست أهدافًا مشروعة للعنف والكراهية.
لكن الرد الأردني الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا في الوعي العام هو أن الكنيسة ليست غريبة عن الأردن، كما أن المسجد ليس غريبًا عنه؛ فكلاهما جزء من المشهد الوطني، وكلاهما مكان عبادة وطمأنينة، وكلاهما يستحق الحماية والاحترام. والمسيحي الأردني ليس ضيفًا في وطنه، والمسلم الأردني ليس صاحب وطن دون غيره؛ فالجميع أبناء وطن واحد، تجمعهم المواطنة والحقوق والواجبات، ويحميهم القانون والدستور.
إن هذه الحقيقة هي التي ينبغي أن نتمسك بها اليوم أكثر من أي وقت مضى. فالإرهاب يراهن على أن تصنع الجريمة شرخًا اجتماعيًا، وأن تتحول دماء الضحايا إلى مادة للاتهامات المتبادلة. أما الرد الوطني الواعي، فهو أن نتمسك بالوحدة، ونترك التحقيق يأخذ مجراه، ونرفض التعميم والتحريض، ونقف إلى جانب أسر الشهداء والمصابين، مسلمين ومسيحيين، باعتبارهم أهلنا وناسنا، وأن يكون وجعهم وجعنا جميعًا.
غضبة الملك.. وعدالة الدولة وطمأنينة الأردنيين
إن القبض على المشتبه بهم في هذه القضية يمثل خطوة مهمة في مسار تحقيق العدالة، ويبعث برسالة واضحة بأن الأجهزة الأمنية لن تتوقف عن أداء واجبها في حماية المواطنين وملاحقة المتورطين في الجرائم. لكنه يفتح أيضًا بابًا أوسع للمراجعة والمسؤولية: كيف يمكن منع التطرف من التسلل إلى عقول الشباب؟ وكيف يمكن تعزيز الثقة بالمؤسسات، وترسيخ ثقافة احترام القانون، وحماية المجتمع من الخطابات التي تحرض على الكراهية وتستبيح دماء الآخرين؟
هذه أسئلة لا تقل أهمية عن القبض على الجناة، لأن حماية الأردن لا تتحقق بالعمل الأمني وحده، على أهميته، وإنما تتكامل معه التربية الوطنية، والعدالة، والوعي الديني الصحيح، ومواجهة خطاب التحريض، وتجفيف منابع التطرف، وتعزيز ثقافة المواطنة التي تجعل الاعتداء على أي أردني اعتداءً على الجميع.
وفي المقابل، فإن تطبيق القانون بحزم لا يتعارض مع ضمانات المحاكمة العادلة، بل يكتسب قوته منها. فالدولة الواثقة من مؤسساتها لا تحتاج إلى تجاوز القانون كي تثبت هيبتها؛ بل تثبتها حين تكشف الحقيقة، وتحمي الأدلة، وتحاسب المسؤولين، وتضمن ألا يفلت مجرم من العقاب، وألا يُظلم بريء.
غضبة ملك، نعم؛ لكنها غضبة من أجل الوطن، ومن أجل الدم الأردني، ومن أجل أن تبقى الكرك آمنة، وأن تبقى الكنيسة والمسجد عنوانين للعبادة لا هدفين للرصاص، وأن يبقى الأردني مطمئنًا على نفسه وأهله، أيًا كان دينه أو معتقده.
إن الصورة التي تختزل ملامح الحزم الملكي لا ينبغي أن تقودنا إلى انتظار الغضب وحده، بل إلى فهم الرسالة التي يحملها: أن أمن الأردن ليس مجالًا للمساومة، وأن وحدة الأردنيين ليست شعارًا موسميًا، وأن من يعتدي على مواطن بدافع الكراهية أو التطرف يضع نفسه في مواجهة القانون والدولة والمجتمع بأسره.
رحم الله شهداء الكرك، وألهم أسرهم الصبر والسلوان، ومنّ على المصابين بالشفاء، وحفظ الأردن وأهله من كل سوء.
حمى الله الأردن، مسلمين ومسيحيين، وأدام على هذا الوطن نعمة الأمن والأمان، وجعل وحدتنا الوطنية أقوى من الإرهاب، وعدالتنا أرسخ من الحقد، ورايتنا عالية لا تنحني أمام رصاص الغدر.