لندن – بقلم: محمد الطّورة
حين يكتب الوطن على لسان رجاله… قراءة في فكر وتجربة الباشا عماد البطوش
قرأت ما كان قد كتبه اللواء الركن المتقاعد عماد البطوش،«أبو سيف»، بمناسبة عيد استقلال المملكة الأردنية الهاشمية، فوجدت فيه أكثر من تهنئة وطنية أو استذكار لمحطة تاريخية؛ وجدت قراءةً تستند إلى إدراك لمعنى الاستقلال، بوصفه مسيرة متواصلة من البناء وصون السيادة وتعزيز الهوية الوطنية، ومسؤولية تتجدد مع كل جيل، لا ذكرى تُستحضر ثم تنقضي بانقضاء المناسبة.
الكتابة الوطنية ليست مجرد كلمات تُقال في المناسبات، ولا هي استعادة عابرة لمحطات التاريخ، بل هي تعبير عن وعي الإنسان بوطنه، وإدراكه لمعنى الدولة، واستحضاره لما تشكّل عبر السنين من تضحيات وإنجازات وقيم راسخة. وحين تصدر هذه الكتابة عن رجل خبر ميادين المسؤولية، وعاش تفاصيل العمل الوطني من مواقع قيادية متقدمة، فإنها تكتسب بُعدًا يتجاوز حدود المناسبة إلى عمق التجربة، وصدق الانتماء، وخلاصة ما تمنحه الأيام لأصحاب الخبرة.
إن قيمة النص الوطني لا تكمن في حرارة عباراته وحدها، بل في الأفكار التي يحملها، والوعي الذي يعكسه، والقدرة على الربط بين تاريخ الوطن وحاضره ومستقبله. وفي هذا السياق، تبدو كتابة أبي سيف امتدادًا لتجربة رجل عرف الدولة من داخل مؤسساتها، وأدرك أن المسؤولية الوطنية ليست شعارًا يُرفع، بل واجب يُؤدّى، وموقف يُتخذ، وأمانة تقتضي الإخلاص والتجرد وتقديم المصلحة العامة.
من ميادين المسؤولية إلى فضاء الفكر
لا يمكن قراءة ما يكتبه الباشا عماد البطوش بمعزل عن مسيرته المهنية والعسكرية؛ فقد تولّى مسؤوليات متقدمة، من بينها إدارة الأمن العسكري، والعمل ملحقًا عسكريًا في فرنسا، وصولًا إلى موقعه الأخير قائدًا لكلية الدفاع الوطني الملكية. وهي محطات مختلفة في طبيعتها، لكنها تلتقي عند جوهر واحد: المسؤولية، وحسن التقدير، والقدرة على التعامل مع الملفات المعقدة، وفهم العلاقة بين الأمن الوطني ومصالح الدولة وصورتها ومكانتها.
فالعمل في مواقع كهذه لا يصنع الخبرة بمجرد شغل المنصب، وإنما بما يفرضه من مواقف وقرارات، وما يضعه أمام صاحبه من تحديات تتطلب سعة أفق، ودقة في القراءة، وقدرة على الموازنة بين المعطيات والاحتمالات. كما أن التجربة في بيئة عسكرية وأمنية، ثم في سياق التمثيل العسكري خارج الوطن، ثم في مجال التعليم والتأهيل الاستراتيجي، تمنح صاحبها زوايا متعددة للنظر إلى القضايا الوطنية، وتوسّع إدراكه للعلاقة بين القرار والمعرفة، وبين القيادة والمسؤولية.
ولعل هذه الخلفية تفسر جانبًا من طبيعة النص الذي كتبه أبو سيف؛ فهو لا يتعامل مع الوطن باعتباره موضوعًا للحديث العاطفي فحسب، بل باعتباره تجربةً تاريخية ومؤسسية وإنسانية، تشكّلت عبر تضحيات الأردنيين، وتستمر بما يقدمونه من عمل وإخلاص وقدرة على مواجهة التحديات.
ما وراء الكلمات… شخصية تُقرأ في أسلوبها
وإذا كان النص يكشف جانبًا من فكر كاتبه، فإن معرفة الإنسان عن قرب تتيح قراءة جوانب أخرى لا تظهر دائمًا بين السطور. وهنا أجد من واجبي أن أضيف شهادتي الشخصية، استنادًا إلى تجربة تعامل مباشر وقريب مع أبي سيف؛ وهي شهادة لا تقوم على المجاملة، بقدر ما تستند إلى ما لمسته فيه من صفات انعكست على أسلوبه في العمل والتعامل مع الآخرين.
عرفته رجلًا يتسم بالحكمة والهدوء والاتزان، لا يستعجل الأحكام، ولا يسمح لانفعال اللحظة أن يسبق تقدير الموقف. يستمع، ويوازن، ويقرأ التفاصيل ضمن الصورة الأوسع، ثم يتخذ موقفه بقدر من التروي والثقة. وهذه صفات لا تعني التردد أو غياب الحزم، بل تعكس فهمًا لطبيعة المسؤولية، وإدراكًا بأن القرار الرشيد يحتاج إلى عقل هادئ، ونظرة متأنية، وقدرة على التمييز بين ما هو جوهري وما هو عابر.
ومن أبرز ما لمسته في شخصيته سعة الأفق، والقدرة على الفصل بين الاعتبارات الشخصية ومتطلبات الواجب. فقد كان اهتمامه منصبًّا على إنجاز المهمة الموكلة إليه بمهنية، وتحقيق الغاية المطلوبة منها، بعيدًا عن الحسابات الضيقة أو الاعتبارات التي قد تُقدّم المصلحة الشخصية على المصلحة العامة. وهذه، في تقديري، من الصفات الجوهرية التي تميز صاحب المسؤولية الحقيقية؛ إذ لا يُقاس نجاحه بما يحققه لنفسه، بل بما ينجزه للمؤسسة التي يعمل فيها، وبما يضيفه إلى العمل من قيمة وأثر.
كما أن الهدوء في شخصيته لم يكن مظهرًا شكليًا، بل بدا انعكاسًا لثقة تستند إلى الخبرة، ولإدراك أن العمل المؤسسي لا يستقيم بالصوت المرتفع أو الاستعراض، وإنما بوضوح الهدف، واحترام الأدوار، وحسن إدارة الاختلاف، والالتزام بما تقتضيه المسؤولية. وهي خصال تزداد أهميتها في المواقع التي تتشابك فيها الاعتبارات الأمنية والعسكرية والإدارية، وتكون فيها النتائج أهم من الانطباعات، والإنجاز أهم من الضجيج.
ولعل ما يجمع بين شخصية أبي سيف المهنية وكتابته الوطنية هو هذا الميل إلى النظر إلى الأمور من زاوية المسؤولية الأوسع؛ فكما أن القائد مطالب بأن يضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية، فإن الكاتب الوطني مطالب بأن يتجاوز حدود التعبير العابر إلى استحضار المعنى الأعمق للوطن، وما يقتضيه الانتماء إليه من وعي وعمل ووفاء.
التقاعد لا يُنهي قيمة التجربة
ولولا أن للتقاعد سُنّةً تمضي على الجميع، وأن للحياة الوظيفية آجالًا لا تتوقف عندها قيمة الإنسان بقدر ما تتوقف فيها مهمته الرسمية، لقلت إن غياب أبي سيف عن ميادين العمل والعطاء خسارةٌ تتجاوز حدود المؤسسة التي خدمها، إلى مساحة أوسع من الوطن الذي انتمى إليه بإخلاص.
فبعض الرجال لا تنتهي الحاجة إليهم بانتهاء مواقعهم؛ لأن قيمتهم الحقيقية لا تستمد من المناصب التي شغلوها، بل من الحكمة التي راكموها، والبصيرة التي صقلتها التجارب، والقدرة على قراءة المواقف بميزان العقل لا باندفاع اللحظة، ومن ذلك الأثر الهادئ والعميق الذي يتركونه في النفوس قبل أن يتركوه في سجلات الإنجاز.
وأبو سيف، في تقديري، من أولئك الذين لا يُقاس عطاؤهم بعدد السنوات التي أمضوها في الخدمة، بل بما أضافوه إلى معنى المسؤولية، وما جسّدوه من اتزان في القيادة، ونزاهة في التقدير، وحرص على إنجاز الواجب بعيدًا عن الحسابات الشخصية او الأستعراضات الإعلامية. فمثل هذه الخبرات لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها فصلًا انقضى من الحياة الوظيفية، بل رصيدًا وطنيًا ناضجًا تظل الحاجة إليه قائمة؛ إذ قد يغادر الإنسان موقعه، لكن ما يحمله من حكمة، وما يقدمه من رأي، وما يمثله من قدوة، يظل حاضرًا في ذاكرة من عرفوه وعملوا معه.
ولعل الخسارة الحقيقية ليست في أن يترجل صاحب الخبرة عن موقعه، فذلك حق الحياة وسُنّتها، وإنما في أن تنقطع الصلة بين الخبرة المتراكمة والحاجة إليها، أو أن نترك الحكمة التي صنعتها السنين حبيسة الذاكرة، بينما الوطن أحوج ما يكون إلى عقول أبنائه وتجاربهم. ولهذا، فإن أبا سيف، وإن أنهى خدمته الرسمية، لم يُنهِ بالضرورة رسالته؛ فهناك رجال تستمر أدوارهم بما يتركونه من أثر، وبما يزرعونه من قيم، وبما تظل سيرتهم تذكّر به من أن القيادة الحقيقية ليست منصبًا يُشغَل، بل مسؤولية تُؤدّى، وأثرًا يبقى.
الاستقلال… معنى يتجدد بالعمل والوفاء
إن الاحتفاء بالاستقلال لا يكتمل باستعادة أمجاد الماضي وحدها، مهما كانت عظيمة، بل يكتمل حين تتحول معانيه إلى وعي حاضر، وسلوك مسؤول، وعمل يليق بما بذله الآباء والأجداد من تضحيات. فالاستقلال ليس محطة وصل إليها الوطن ثم انتهت مهمته، بل أساس تنطلق منه أجيال متعاقبة لصون المنجز، وتعزيز قوة الدولة، وترسيخ الثقة بمؤسساتها، والاستعداد لتحديات المستقبل.
ومن هنا، تكتسب الكتابة الوطنية التي يقدمها أصحاب التجارب معناها الحقيقي؛ فهي لا تكتفي بتسجيل المواقف، بل تسهم في نقل الخبرة، واستحضار القيم، وربط الأجيال بتاريخ وطنها ومسيرته. وحين تقترن هذه الكتابة بسيرة مهنية عرفت المسؤولية، وبشخصية تتسم بالاتزان والتجرد، فإنها تصبح أكثر من رأي في مناسبة وطنية؛ تصبح شهادة على أن الانتماء الصادق لا يُختصر في الكلمات، بل يظهر في المواقف، ويتجلى في العمل، ويبقى في الأثر.
وفي تقديري، فإن الباشا عماد البطوش، أبا سيف، يمثل نموذجًا للرجل الذي تتكامل في تجربته خبرة القائد مع وعي الكاتب، وتلتقي في شخصيته متطلبات المسؤولية مع هدوء الحكمة. ومهما اختلفت المواقع وتبدلت مراحل الحياة الوظيفية، فإن ما يبقى في النهاية هو جوهر الإنسان: ما حمله من قيم، وما أداه من واجب، وما تركه في نفوس الآخرين من احترام وتقدير.
فالأوطان لا تبنيها المناصب وحدها، بل يبنيها رجال يؤدون مسؤولياتهم بإخلاص، ويغادرون مواقعهم وقد تركوا وراءهم ما هو أبقى من المنصب: سيرةً طيبة، وخبرةً نافعة، وأثرًا يستحق أن يُروى.