(ها أنذا أكتب ؛ وأنا أجلس على مصطبة بيت عتيق في حي الرشيد ؛ وثمة إمرأة طاعنة بالسن تعبر الطريق وتطوح لي بيدها..تبتسم وتمضي ..الخميس 22 أكتوبر 2026)
كان الأردني الذي نعرفه يفتح باب بيته قبل أن يسأل عن اسم الطارق، ويُعدّ فنجان القهوة قبل أن يعرف سبب الزيارة. كانت البيوت، على ضيق مساحاتها، تتّسع للناس، وكانت الدواوين مجالس للمروءة والصلح، ومدارس يتعلّم فيها الصغار معنى الكلمة والوفاء واحترام الجار.
لم تكن الحياة يومها سهلة، لكنّ الناس عرفوا كيف يقتسمون القليل، وكيف يصنعون من رغيف الخبز حكاية كرم، ومن السؤال عن الغائب واجباً، ومن الوقوف إلى جانب المحتاج موقفاً لا يحتاج إلى إعلان أو تصوير.
كان للجار مكان في تفاصيل البيت، وللقريب حق في السؤال، وللصديق مساحة في القلب. لم تكن العلاقات خالية من الخلافات، لكنّ ما يجمع الناس كان في كثير من الأحيان أقوى مما يفرّقهم.
ثم جاءت الأيام بما حملته من تحوّلات اقتصادية واجتماعية وثقافية، فتغيّرت المدن، وتبدّلت أنماط الحياة، وكبرت الأعباء، وأصبح الإنسان يركض خلف التزاماته، ويؤجّل لقاءً كان يمنحه شعوراً بأن الحياة ما زالت بخير.
وهنا يبرز السؤال: هل تغيّر الأردني، أم أنّ الأيام غيّرت الظروف التي كانت تُظهر أجمل ما فيه؟
_ مصطبة الدار.. ونساء الحارة اللواتي لا يغبن
أذكر حين كنت في العاشرة من عمري، في سبعينيات القرن الماضي، أمسيات الحارة وجلسات النساء على مصطبة بوابة الدار. كانت المصطبة أكثر من مكان للجلوس؛ كانت ملتقى للجارات، ونافذة مفتوحة على حكايات البيوت وأفراحها وأحزانها.
أذكر أمي الراحلة، فزّة الشرع، وهي واحدة من نساء الحي اللواتي كان لهن حضورهن ومكانتهن، تحضُر جلسة المساء مع نساء الحارة، فتكتمل الحلقة بوجوه ألفتها الذاكرة، وأصوات ما زال صداها يسكنني رغم مرور السنوات.
كانت هناك قطنة أبو رجيع، والجارة الحجة العلاوية، التي كان زوج ابنتها يشغل منصب مدير شرطة إربد، وحياة العقلة، ونورا الدلقموني، وفاطمة أبو دولة، وأم اصطيف، التي جاءت من الشام وسكنت حي الرشيد، إلى جانب نساء أخريات رحلن إلى عالم الخلود، لكنّ حضورهن بقي حياً في الذاكرة.
لم أكن، وأنا طفل في العاشرة، أدرك قيمة تلك الجلسات، ولم أكن أعرف أنّ الزمن سيحوّلها إلى مشاهد أعود إليها كلما أردت أن أفهم كيف كانت الحياة الاجتماعية تُصنع من تفاصيل بسيطة.
كانت النساء يتبادلن الأخبار والحكايات، ويتقاسمن الأفراح والأحزان، وتعرف الجارة عن جارتها ما يكفي لتسأل عنها إذا غابت. لم تكن هناك شاشات تفصل الوجوه، بل حضور حقيقي، وأحاديث تمنح المساء دفأه، وتجعل الحارة عائلة تتجاوز حدود البيوت.
اليوم، حين أستعيد تلك الأمسيات، لا أستعيد مصطبة عند بوابة دار فحسب، بل أستعيد زمناً كانت فيه الجيرة قيمة، واللقاء عادة، والاهتمام بالآخر جزءاً من الحياة اليومية.
رحم الله أمي فزّة الشرع، ورحم قطنة أبو رجيع، والحجة العلاوية، وحياة العقلة، ونورا الدلقموني، وفاطمة أبو دولة، وأم اصطيف، وسائر نساء الحارة اللواتي تركن أثراً طيباً في المكان والناس.
بعض الأماكن لا ندرك أنها كانت وطناً صغيراً إلا حين نكبر، ونكتشف أنّ ما نفتقده ليس المصطبة ولا بوابة الدار، بل الأرواح التي كانت تجلس عليها وتمنح الحياة دفأها.
_ من الديوان إلى شاشة الهاتف
كان الديوان الأردني مساحة للحوار، والتقاء الأجيال، وحلّ الخلافات، وتبادل الخبرات. لم تكن كل الدواوين مثالية، لكنّ الاجتماع وجهاً لوجه كان يمنح الناس فرصة للاستماع إلى بعضهم، حتى عندما تختلف الآراء.
أما اليوم، فقد انتقل جانب كبير من علاقاتنا إلى شاشات الهواتف. قرّبت وسائل التواصل البعيد، وفتحت أبواباً للمعرفة، لكنها جعلت بعض اللقاءات مؤجلة، وبعض الحوارات أكثر حدّة، وأحياناً تحوّل الاختلاف إلى خصومة قبل أن تكتمل الحكاية.
ليست المشكلة في أن نعيش زمننا، بل في أن نفقد، ونحن نعيش فيه، بعض ما يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش.
_ الأردني بين الشهامة وضغط الحاجة
لا يمكن قراءة تحوّلات المجتمع الأردني بمعزل عن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية. فالأعباء التي تواجه الأسر، وأسئلة العمل والسكن والاستقرار التي تؤرق الشباب، تترك آثارها على العلاقات الاجتماعية، وتقلّص أحياناً الوقت المتاح للزيارات واللقاءات.
لكنّ الضغوط لا تعني بالضرورة أن الناس فقدوا محبتهم، كما أنّ الظروف الصعبة لا تبرّر التخلّي عن القيم الإنسانية. فهناك فرق بين أن يعجز الإنسان عن تقديم المساعدة، وأن يعجز عن التعاطف؛ وبين أن يضيق وقته، وأن يضيق قلبه.
والشهامة ليست أن يمنح الإنسان ما لا يملك، بل أن يحتفظ بإنسانيته، وأن يقول كلمة طيبة، ويقف إلى جانب المظلوم، ولا يستغل حاجة الآخرين.
_ ما الذي بقي من الأردني الذي نعرفه؟
بقي الكثير. بقي في الذي يساعد غريباً تعطّلت سيارته على الطريق، وفي الذي يسند أسرة ألمّت بها محنة، وفي المعلم الذي يخلص لطلابه، والجار الذي يسأل عن جاره، والصديق الذي يتذكّر صديقه في ساعة الشدة.
وليس من العدل أن نرسم الماضي صورة مثالية خالية من العيوب، أو أن نحكم على الحاضر بأنّه فقد كل فضيلة. ففي شباب اليوم من يحمل روح المبادرة والتكافل، وفي الأجيال الأكبر من يملك خبرة تستحق أن تنتقل إلى الأبناء. لكل جيل ظروفه وأحلامه، لكنّ القيم الجميلة ليست حكراً على جيل دون آخر.
المطلوب ليس أن نعيد عقارب الساعة إلى الوراء، بل أن نحافظ على ما يستحق البقاء من موروثنا الاجتماعي، وأن نمنح الكرم والشهامة والجيرة والحوار حياة جديدة تناسب العصر.
_ الأردني الذي نريده للمستقبل
ربما لا يكون السؤال الأهم: كيف نعيد الأردني الذي عرفناه؟ بل كيف نحافظ على أجمل ما فيه، ونمنحه القدرة على مواجهة زمنه؟
نحتاج إلى ثقافة تعيد الاعتبار إلى الإنسان، وإلى فضاءات تجمع الناس، ومبادرات تصل بين الأجيال، وإلى أسر تروي لأبنائها حكايات المدن والقرى والوجوه التي صنعت ذاكرتها. فالأوطان لا تُورَّث بالأرض وحدها، بل بما يتركه الآباء في وجدان الأبناء من قيم ومعانٍ وذكريات.
وحين أستعيد تلك المصطبة، وأمي الراحلة، ونساء الحارة اللواتي كنّ يجتمعن عند المساء، أفهم أنّ الذاكرة ليست بكاءً على زمن مضى، بل مسؤولية تجاه ما نريد أن يبقى.
لقد غيّرت الأيام بعض ملامح الأردني، وأثقلت خطاه، ودفعت به إلى أسئلة جديدة، لكنها لم تُلغِ قدرته على الاختيار، ولا مسؤوليته عن حماية القيم التي تمنح حياته معناها.
فالأردني الذي نحبّه ليس الذي لم تغيّره الأيام، بل الذي يعرف كيف يتغيّر من دون أن يفقد إنسانيته، وكيف يواجه المستقبل من دون أن ينسى الطريق الذي جاء منه.
(تذييل: الأسماء الواردة في النص حقيقية ؛ وهن من سكان حي الرشيد في اربد القديمة)