لم أعرف الإمارات من ثروتها… بل عرفتها من نهج شيوخها وتعامل ناسها
من سويحان بدأت الحكاية… ومن مدرسة رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد تعلّمت معنى أن تكون الثروة في خدمة الشعب
هناك أوطان نقرأ عنها في الكتب، وأوطان نعرفها من أخبارها، وأوطان أخرى تسكن الذاكرة لأننا عشنا فيها، ورأينا بأعيننا تفاصيل الحياة فيها، واختبرنا عن قرب طبيعة العلاقة بين الإنسان وأرضه وقيادته.
وبالنسبة إليّ، لم تكن دولة الإمارات العربية المتحدة مجرد بلد غني بالنفط، ولا صورة ناطحات سحاب تتلألأ في سماء المدن، ولا أرقامًا اقتصادية تُتداول في نشرات الأخبار. لقد عرفتها من الداخل، من منطقة سويحان التابعة لإمارة أبوظبي، حيث عشت تجربة شخصية خلال عملي في الدائرة الخاصة لصاحب السمو رئيس الدولة، وكانت لي فرصة أن أقترب من واقع الحياة الإماراتية، وأن أرى جوانب من العلاقة التي ربطت المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بشعبه.
ومن تلك التجربة بقيت في ذاكرتي قناعة لم تغيّرها السنوات: إن قيمة القيادة لا تظهر فقط فيما تبنيه من قصور ومشروعات، بل فيما تبنيه من طمأنينة في نفوس مواطنيها، وما تزرعه من شعور بأن الوطن ليس أرضًا يعيشون عليها فحسب، بل بيت كبير ينتمون إليه ويجدون فيه مكانًا لهم ولأبنائهم.
ولذلك، حين أستحضر اليوم الحديث النبوي الشريف:
«خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»
أجدني أتوقف طويلًا عند معناه الإنساني العميق؛ فالنبي ﷺ جعل حسن المعاملة معيارًا من معايير الخيرية، وأكد أن الأخلاق الحقيقية تظهر في الدائرة الأقرب إلى الإنسان، حيث المسؤولية اليومية، والحقوق، والرحمة، والوفاء.
وإذا كان الحديث في أصله يتناول معاملة الأهل، فإن قيمته الأخلاقية تذكّرنا، عند التأمل، بمسؤولية كل من يتولى أمرًا من أمور الناس: أن يكون للرحمة أثر، وللمسؤولية نتيجة، وللخير شاهد في حياة من تشملهم الرعاية.
ومن هنا تبدأ حكايتي مع الإمارات.
زايد… حين كانت القيادة أقرب إلى الناس من المسافات
حين أتحدث عن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، فإنني لا أتحدث عن شخصية تاريخية أستحضرها من صفحات الكتب، بل عن قائد ارتبط اسمه في الذاكرة الإماراتية والعربية بمعاني القرب من الناس، والاهتمام بأحوالهم، والحرص على أن تمتد التنمية إلى ما وراء المدن الكبيرة.
لقد كان من أبرز ما ميّز إرث الشيخ زايد اهتمامه بالإنسان، وإيمانه بأن بناء الدولة لا يكتمل بمجرد تشييد المباني والطرق، وإنما يتحقق حين تتحسن حياة الناس، وتُتاح لهم مقومات الاستقرار، ويشعرون بأن القيادة معنية بأحوالهم وأفراحهم وأحزانهم.
وفي سويحان، حيث عشت تجربتي، كانت لي فرصة لمشاهدة جوانب من ذلك القرب بين الشيخ زايد وشعبه، ومن حضوره في الحياة الاجتماعية. وبقيت في نفسي صورة ذلك النهج الذي يجعل التواصل مع الناس جزءًا من معنى المسؤولية، لا مجرد مناسبة بروتوكولية.
ولعل أعظم ما يتركه القائد في نفوس شعبه ليس ما يُقال عنه في حياته فقط، بل ما يبقى من أثره بعد رحيله؛ من قيم تتوارثها الأجيال، ومؤسسات تستمر في العمل، وذاكرة شعبية تستحضر مواقفه بوصفها جزءًا من هوية الوطن.
لهذا استحق الشيخ زايد، في وجدان كثير من العرب، لقب «حكيم العرب». فقد ارتبط اسمه برؤية جعلت التنمية والعطاء والعمل الإنساني من السمات البارزة للتجربة الإماراتية.
وليس الوفاء لزايد أن نكثر من ذكر اسمه فحسب، بل أن نفهم الرسالة التي أراد ترسيخها: أن الإنسان هو الغاية من التنمية، وأن الثروة التي لا يلمس الناس أثرها في حياتهم تفقد جانبًا مهمًا من معناها.
وقد يقول قائل: الإمارات دولة غنية، فما الغريب في ذلك؟
وهنا أصل إلى النقطة التي أريد من القارئ أن يتوقف عندها.
نعم، الإمارات دولة تمتلك موارد اقتصادية كبيرة، وقد أسهم النفط والغاز، إلى جانب التجارة والاستثمار وتنويع الاقتصاد، في بناء قدراتها المالية والتنموية. وليس من الإنصاف إنكار أثر هذه الثروات في النهضة التي شهدتها الدولة.
لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه هو: هل يكفي أن تكون الدولة غنية حتى يصبح شعبها بالضرورة متمتعًا بمستوى معيشي مرتفع؟
لو كان الأمر كذلك، لكانت جميع الدول الغنية بالموارد الطبيعية متشابهة في مستوى الخدمات والاستقرار والفرص المتاحة لمواطنيها. لكن الواقع العالمي يبيّن أن امتلاك الثروة لا يضمن وحده أن تتحول إلى رفاه عام؛ فهناك فرق بين حجم الموارد التي تمتلكها الدولة، وبين كيفية إدارتها، والأولويات التي تحددها، والنتائج التي تحققها لمجتمعها.
الثروة قد تكون هبة من الأرض، أما تحويلها إلى حياة كريمة للناس فهو مسؤولية في الإدارة والسياسة والتخطيط.
وهنا يكمن جوهر المسألة.
فحين تتحول الإيرادات إلى بنية تحتية متطورة، وتعليم ورعاية صحية، وبرامج إسكان، ودعم اجتماعي للفئات المستحقة، وفرص عمل، واستثمار في الشباب، تصبح الثروة أداة لبناء المجتمع، لا مجرد رقم في حسابات الدولة.
وحين يشعر المواطن بأن التنمية تصل إلى حياته اليومية، وأن هناك مؤسسات تعمل على تلبية احتياجات المجتمع ومساندة الأسر، فإن الحديث عن الثروة ينتقل من مستوى الأرقام إلى مستوى التجربة الإنسانية.
وهذا، في تقديري، هو أحد المفاتيح المهمة لفهم التجربة الإماراتية.
ليست كل الدول الغنية سواء
قد يقال إن المقارنة بين الدول ليست سهلة، وهذا صحيح؛ فالدول تختلف في عدد سكانها، وتركيبتها الاقتصادية، وظروفها التاريخية، والتزاماتها المالية، وطبيعة مؤسساتها.
لكن هذه الاختلافات لا تلغي حقيقة أساسية: أن طريقة إدارة الموارد العامة، ومدى توجيهها نحو احتياجات المواطنين، عنصران مهمان في تفسير اختلاف النتائج من مجتمع إلى آخر.
فليس كل بلد يمتلك النفط يستطيع أن يحقق تلقائيًا ما حققته بلدان أخرى في البنية التحتية أو الخدمات أو الاستقرار الاجتماعي. وليس كل بلد غني قادرًا بالضرورة على تحويل موارده إلى فرص متاحة للأجيال القادمة.
ومن هنا، فإن الإشادة بالتجربة الإماراتية لا تحتاج إلى التقليل من شأن الدول الأخرى، ولا إلى إطلاق أحكام عامة على شعوبها؛ بل يكفي أن نتأمل ما تحقق في الإمارات، وأن نسأل: كيف أُديرت الموارد؟ وما الذي بُني بها؟ وكيف أصبحت التنمية جزءًا من مشروع الدولة؟
إن المقارنة العادلة لا تبحث عن بلد كامل بلا تحديات، بل تبحث عن السياسات التي صنعت نتائج ملموسة، وعن الدروس التي يمكن أن تستفيد منها المجتمعات الأخرى.
محمد بن زايد… امتداد لمسيرة لا تنفصل عن جذورها
وعندما نتحدث عن حاضر الإمارات، فإن من الإنصاف أن نذكر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، في إطار المسيرة الاتحادية التي بدأت مع المؤسس الشيخ زايد، وشارك في بنائها حكام الإمارات السبع، وتواصلت عبر مؤسسات الدولة وأجيال قياداتها.
فالإمارات ليست قصة رجل واحد، مهما كان دوره، بل قصة اتحاد قام على التعاون وتكامل الجهود وتوحيد الرؤية.
لقد وضع الشيخ زايد الأسس الأولى لدولة الاتحاد، ورسّخ في تجربتها معنى أن تكون التنمية مشروعًا وطنيًا شاملًا. ثم واصل قادة الدولة العمل على تطوير هذه التجربة، وتحديث مؤسساتها، وتعزيز قدرتها الاقتصادية، وتوسيع استثماراتها في الإنسان والبنية التحتية والخدمات.
وفي عهد الشيخ محمد بن زايد، يستمر هذا المسار في ظل تحديات عالمية متغيرة، تتطلب الاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا، وتعزيز تنافسية الاقتصاد، وتطوير الخدمات، والمحافظة على الاستقرار الاجتماعي.
ولا بد هنا من التأكيد على الدور المتكامل لإخوانه أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد حكام الإمارات، الذين يشاركون في قيادة مسيرة الدولة، ويعملون على تطوير إماراتهم ضمن الإطار الاتحادي الذي يمثل أحد أهم مرتكزات التجربة الإماراتية.
ومن الإنصاف أيضًا أن نذكر أن بناء الإمارات الحديثة لم يكن وليد مرحلة واحدة، بل هو حصيلة عقود من العمل والتخطيط والتراكم المؤسسي، شاركت فيه قيادات الدولة ومؤسساتها وأبناؤها.
إن استمرار النهج لا يعني تكرار الماضي حرفيًا، بل الحفاظ على جوهره الإنساني مع تطوير أدواته لتناسب المستقبل.
حين يصبح نصيب المواطن من الثروة سؤالًا عن العدالة والكرامة
أريد هنا أن أؤكد أمرًا مهمًا: ليس المقصود بأن ثروة الوطن ملك لكل فرد أن يحصل كل مواطن على حصة مالية متساوية من أموال الدولة، أو أن تُوزع الموارد بلا تخطيط أو معايير.
المقصود أعمق من ذلك.
المقصود أن تكون الثروة العامة وسيلة لخدمة المجتمع، وأن ينعكس استخدامها على حياة المواطنين من خلال الخدمات والفرص والاستقرار، وأن تحظى الأسر التي تحتاج إلى المساندة ببرامج تحميها من العوز، وأن يستطيع الشباب أن يتطلعوا إلى مستقبلهم بثقة، وأن يكون السكن والتعليم والصحة والعمل ضمن أولويات التنمية.
فقد يكون نصيب المواطن من ثروة بلاده مدرسة جيدة يتعلم فيها أبناؤه، أو مستشفى يجد فيه الرعاية، أو برنامجًا سكنيًا يساعد أسرته على الاستقرار، أو فرصة عمل تتيح له أن يبني مستقبله بجهده وكفاءته.
وهكذا لا تعود الثروة مجرد مال يُنفق، بل تصبح قدرة على توفير الفرص، وصيانة الكرامة، وتقوية الروابط الاجتماعية.
وهذا هو الفارق بين النظر إلى المواطن بوصفه رقمًا في إحصاءات السكان، والنظر إليه بوصفه شريكًا في الوطن، وغاية أساسية من غايات التنمية.
من سويحان إلى اليوم… لماذا بقيت التجربة في الذاكرة؟
لقد مضت اربع عقود على تجربتي في الإمارات، لكن بعض التجارب لا تقاس بطول الزمن الذي عشناه فيها، بل بما تركته في نفوسنا من معانٍ.
ومن خلال ما عشته في سويحان، وما شاهدته من جوانب العلاقة بين الشيخ زايد وشعبه، بقي لديّ تقدير خاص لقيمة القرب من الناس، ولأهمية أن تكون القيادة على صلة باحتياجات المجتمع ومناسباته الاجتماعية.
وأدرك اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن الحديث عن رفاه الشعوب لا ينبغي أن يكون حديثًا عن المال وحده؛ فهناك شعوب تحتاج إلى الأمان، وأخرى إلى فرص العمل، وأخرى إلى تطوير الخدمات، وجميعها تحتاج إلى قيادة ومؤسسات تجعل الإنسان حاضرًا في حساباتها.
والإمارات، بما حققته من تطور اقتصادي وعمراني ومؤسسي، تقدم تجربة تستحق التأمل، لا لأن مسيرتها خالية من التحديات، بل لأنها تتيح فرصة لفهم كيف يمكن للموارد الاقتصادية، حين تقترن بالتخطيط والعمل المؤسسي، أن تسهم في بناء مجتمع يتمتع بمقومات متقدمة للحياة.
ولأنني أتحدث من واقع تجربة شخصية، فإنني أرى أن من حق الإنسان أن يعبّر عن تقديره لما عاشه وشاهده، شرط أن يميز بين ما عاينه بنفسه وما يستند فيه إلى المعلومات العامة، وأن يجعل صدق التجربة أساس كلماته.
فالشهادة الصادقة لا تحتاج إلى مبالغة؛ يكفيها أن تروي ما تعرفه، وأن تترك للوقائع أن تتحدث.
خير القيادة ما بقي أثره في حياة الناس
حين أعود إلى الحديث النبوي الشريف: «خيركم خيركم لأهله»، أجد فيه قيمة أخلاقية عظيمة تتجاوز حدود الكلمات إلى مسؤولية العمل وحسن المعاملة.
فالنبي ﷺ ضرب لأمته المثل الأعلى في حسن معاملة أهله، وهذا هو المعنى الأصلي للحديث الذي ينبغي أن يبقى محفوظًا في سياقه. أما الاستئناس به عند الحديث عن المسؤولية العامة، فهو تأمل في قيمة الرحمة والرعاية، وليس تفسيرًا للحديث على أنه حكم مباشر على أداء الحكام.
ومن هذا المنطلق، فإن ما يستحق التقدير في أي تجربة وطنية هو كل جهد يجعل حياة الناس أفضل، ويحوّل الموارد إلى خدمات وفرص، ويجعل التنمية قادرة على الوصول إلى الأسر والمجتمعات.
وفي الإمارات، يبقى إرث الشيخ زايد، رحمه الله، حاضرًا في الذاكرة الوطنية، وتستمر مسيرة الاتحاد بقيادة الشيخ محمد بن زايد وإخوانه حكام الإمارات، وبعمل المؤسسات ومشاركة أبناء الوطن في صناعة مستقبله.
وأنا، حين أكتب هذه الكلمات، لا أكتبها بصفتي مراقبًا بعيدًا يقرأ الأرقام من خلف شاشة، بل بصفتي إنسانًا عاش تجربة في سويحان، واحتفظ من تلك المرحلة بذكريات وتقدير لمعانٍ رآها في علاقة القيادة بالمجتمع.
ولست أزعم أن تجربة شخصية واحدة تكفي للحكم على مجتمع بأكمله، لكنها تمنح صاحبها زاوية صادقة يروي منها ما عاشه، ويشرح بها لماذا بقيت تلك التجربة حاضرة في وجدانه.
فالثروة الحقيقية ليست ما تختزنه الأرض وحدها، بل ما يستطيع الإنسان أن يبنيه بها من حياة كريمة، وما يشعر به المواطن من أمن وانتماء، وما يتركه القائد من أثر يبقى بعد مرور السنوات.
وهذه هي الرسالة التي أود أن تصل إلى القارئ: أن الأوطان لا تُقاس فقط بما تملكه، بل بما تصنعه مما تملك؛ وأن قيمة القيادة لا تكتمل بما تحققه من إنجازات مادية فحسب، بل بما تزرعه من استقرار وأمل، وبما تتركه في ذاكرة الناس من مواقف وتجارب ومعانٍ.
ومن هنا، تبقى سويحان بالنسبة إليّ أكثر من مكان عشت فيه؛ إنها صفحة من تجربة شخصية جعلتني أقدّر معنى أن يقترب القائد من شعبه، وأن تصبح خدمة الإنسان جزءًا من هوية الوطن.
رحم الله الشيخ زايد، وحفظ دولة الإمارات وشعبها، ووفق رئيسها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد أل نهيان لما فيه خير البلاد والعباد.
أن أجمل ما تتركه الأوطان في قلوبنا ليس ما رأيناه فيها من عمران فحسب، بل ما رأيناه فيها من إنسانية.