لندن: محمد الطّورة
أين خبرات الدبلوماسية الأردنية؟ غياب يطرح الأسئلة ويستدعي المراجعة
حين تتراكم الخبرة السياسية والدبلوماسية لدى رجال الدولة، يصبح السؤال عن غيابهم سؤالاً عن قدرة الدولة على صون خبراتها وتوظيفها، لا مجرد تساؤل عن أشخاص ابتعدوا عن مواقع المسؤولية.
ثمة أسئلة ينبغي أن تُطرح من باب الحرص على الوطن، لا من باب العتب على أشخاص، ولا من منطلق الحنين إلى الماضي. ومن بين هذه الأسئلة سؤال يفرض نفسه على المشهد السياسي الأردني: أين وزراء الخارجية السابقون، وأين خبراتهم وعلاقاتهم الدولية التي راكموها على امتداد سنوات من العمل السياسي والدبلوماسي؟
نتحدث هنا عن أربعة من رجالات الدبلوماسية الأردنية الذين تولوا حقيبة الخارجية، وهم معالي السيد ناصر جودة، ومعالي السيد عبد الإله الخطيب، ومعالي الدكتور مروان المعشر، ومعالي الدكتور صلاح البشير. أربعة أسماء ارتبطت بمراحل مختلفة من السياسة الخارجية الأردنية، واكتسبت، بحكم مواقعها ومسؤولياتها، خبرة في إدارة الملفات الإقليمية والدولية، والتعامل مع مراكز القرار، وفهم تعقيدات العلاقات بين الدول.
وليس المقصود من استحضار هذه الأسماء التقليل من شأن من يتولون المسؤولية اليوم، ولا عقد مقارنة بين أشخاص بقدر ما هو التساؤل عن موقع الخبرة المتراكمة في معادلة صنع القرار الوطني. فالدول التي تحترم مؤسساتها لا تنظر إلى المسؤول السابق باعتباره صفحة طُويت بانتهاء مهمته، بل باعتباره رصيداً وطنياً يمكن الاستفادة منه كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق إجابة صريحة: هل اختار هؤلاء الابتعاد عن المشهد العام لأسبابهم الخاصة، أم أن الدولة لم تستثمر كما ينبغي ما يمتلكونه من خبرات وإمكانات؟
إن كان الغياب خياراً شخصياً اتخذه أيٌّ منهم، لاعتبارات خاصة أو لقناعات تتصل بطبيعة المرحلة، فإن احترام هذا الخيار واجب، ولا يملك أحد أن يفرض على أي مسؤول سابق العودة إلى العمل العام. فالمناصب مسؤولية، والمشاركة فيها ليست واجباً على من آثر الابتعاد. ومع ذلك، فإن الرغبة في رؤية هذه الخبرات حاضرة في خدمة الوطن تبقى رغبة مشروعة، تنبع من تقدير أصحابها والإيمان بما يمكن أن يقدمونه.
أما إذا كان الغياب نتيجة عدم الالتفات إلى هذه الكفاءات، أو عدم إتاحة المجال أمامها للمشاركة في صياغة السياسات وتقديم المشورة، فإن الأمر يستحق وقفة جادة؛ لأن الدولة التي لا تحسن استثمار خبراتها الوطنية تفوّت على نفسها فرصاً ثمينة، وتدفع، من حيث لا تدري، ثمن إهدار المعرفة المتراكمة.
فالأردن، بما يواجهه من تحديات سياسية واقتصادية وأمنية، وبما يتحمله من أعباء إقليمية تتصل بالقضية الفلسطينية وأزمات المنطقة وعلاقاته مع القوى الدولية، أحوج ما يكون إلى توسيع دائرة الاستفادة من خبراته الدبلوماسية. وليس من الحكمة أن تبدأ الدولة في كل مرحلة من نقطة الصفر، أو أن تتعامل مع خبرة المسؤول السابق وكأنها انتهت بانتهاء ولايته.
خبرة لا تنتهي بانتهاء المنصب
إن وزارة الخارجية ليست حقيبة عابرة في سجل المسؤوليات الحكومية، بل هي موقع تتشكل فيه معرفة دقيقة بتوازنات القوى ومصالح الدول وآليات التفاوض وطبيعة العلاقات الشخصية والمؤسسية بين صناع القرار. والوزير الذي أمضى سنوات في هذا الموقع لا يخرج منه خالي الوفاض؛ فهو يحمل معرفة لا تُكتسب في الكتب وحدها، وعلاقات لا تُبنى في يوم وليلة، وتجارب يصعب تعويضها بمجرد تعيين مسؤول جديد.
لقد راكم أصحاب المعالي الأربعة، كلٌّ بحسب تجربته ومسؤولياته، خبرات واتصالات يمكن أن تشكل قيمة مضافة للدبلوماسية الأردنية، سواء في التعامل مع ملفات خارجية محددة، أو في تقديم المشورة الاستراتيجية، أو في تمثيل المملكة في المحافل الدولية، أو في المشاركة في هيئات ومؤسسات وطنية تحتاج إلى خبرة سياسية ودبلوماسية رفيعة.
ولا يعني ذلك أن كل مسؤول سابق ينبغي أن يعود إلى منصب رسمي، أو أن المناصب يجب أن تُفتح تلقائياً أمام شاغليها السابقين؛ فالكفاءة لا تُقاس بالألقاب وحدها، والخبرة لا تعفي صاحبها من التقييم. لكن ما لا ينبغي أن يحدث هو أن تُهمَل الخبرة لمجرد أن صاحبها لم يعد في موقع المسؤولية، أو أن يُستبعد من دائرة الاستفادة الوطنية دون اعتبار لما يستطيع تقديمه.
عبد الإله الخطيب وليبيا: تجربة أردنية في توظيف الخبرة
ولكي لا يبدو هذا الطرح مجرد حديث نظري، فإن التجربة الأردنية نفسها تقدم مثالاً جديراً بالتوقف عنده، يتمثل في معالي السيد عبد الإله الخطيب، الذي كُلّف عام 2011 بمهمة دولية مهمة عندما عيّنه الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك، بان كي مون، مبعوثاً خاصاً له إلى ليبيا، في خضم الأزمة التي شهدتها البلاد.
وقد جاء هذا التكليف في سياق الاستعانة بخبرته السياسية والدبلوماسية ومعرفته بتعقيدات المنطقة. وتمثلت مهمته في إجراء مشاورات مع الأطراف الليبية، والتعامل مع الجوانب الإنسانية والسياسية للأزمة، والمساهمة في الجهود الدولية الرامية إلى إيجاد مخرج لها.
وهذه التجربة تعزز الفكرة التي يدور حولها المقال: إن الخبرة الدبلوماسية الأردنية ليست ذات قيمة داخل الحدود الوطنية فحسب، بل يمكن أن يكون لها حضور مؤثر في الملفات الإقليمية والدولية متى توافرت الفرصة المناسبة.
لكن السؤال الذي يظل مطروحاً هو: لماذا لا تتحول مثل هذه التجارب إلى نهج مستدام، بدلاً من أن تبقى مرتبطة بتكليفات استثنائية أو بظروف سياسية معينة؟ ولماذا لا تكون هناك رؤية وطنية واضحة لتحديد الكفاءات الأردنية المؤهلة، وتقديمها للمواقع العربية والدولية التي يمكن أن تسهم فيها؟
إن تجربة الخطيب تقدم مثالاً على ما يمكن أن تحققه الدبلوماسية الأردنية عندما توضع الخبرة المناسبة في المكان المناسب، وتفتح أمامها أبواب المشاركة في معالجة الملفات الدولية.
تجارب عربية ودولية تستحق التأمل
ولعل التجارب العربية تقدم ما يستحق التوقف عنده في هذا السياق. فقد درجت مصر على الاستفادة من شخصياتها السياسية والدبلوماسية في مواقع عربية رفيعة، ومن أبرز الأمثلة عمرو موسى، الذي تولى منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية عام 2001 بعد مسيرة في الدبلوماسية المصرية شغل خلالها حقيبة الخارجية، وكذلك أحمد أبو الغيط، الذي تولى الأمانة العامة عام 2016 بعد أن كان وزيراً للخارجية المصرية.
وفي التجربة العربية أيضاً، تبرز شخصية الشاذلي القليبي، السياسي والدبلوماسي التونسي الذي تولى منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية بين عامي 1979 و1990. وقد جاءت تجربته في مرحلة إقليمية استثنائية شهدت انتقال مقر الجامعة من القاهرة إلى تونس، بما يعكس أهمية الاستعانة بالشخصيات السياسية والدبلوماسية ذات الخبرة في قيادة مؤسسات العمل العربي المشترك.
أما على المستوى الدولي، فإن الاستعانة بالخبرات السياسية والدبلوماسية السابقة في المهام الأممية والوساطات الدولية واللجان الاستشارية تمثل أحد المسارات التي تستفيد من المعرفة المتراكمة، وتتيح للمؤسسات توظيف الخبرة خارج إطار المناصب الحكومية التقليدية.
والدرس هنا ليس أن الأردن مطالب بتقليد تجارب الآخرين حرفياً، فلكل دولة ظروفها وحساباتها وأولوياتها، كما أن الوصول إلى المناصب الدولية يخضع لاعتبارات سياسية وإقليمية ودولية معقدة. لكن الدرس الأهم هو أن الدول التي تسعى إلى تعزيز حضورها لا تتعامل مع خبراتها السابقة باعتبارها إرثاً للماضي، بل مورداً يمكن أن يخدم الحاضر ويصنع فارقاً في المستقبل.
فإذا كانت دول عربية قد نجحت في توظيف خبرات شخصياتها السياسية والدبلوماسية في مواقع إقليمية ودولية، وإذا كانت المؤسسات الدولية تستعين بخبراء يمتلكون سجلاً طويلاً في التفاوض وإدارة الأزمات، فلماذا لا يكون الأردن أكثر مبادرة إلى تقديم كفاءاته المؤهلة، والدفاع عن فرصها، وتسخيرها لخدمة مصالحه؟
إذا تعذّر الخارج، فالأولوية للداخل
قد لا تكون المناصب الدولية متاحة دائماً، وقد تحول اعتبارات التوافقات الإقليمية والحسابات السياسية دون وصول مرشحين أردنيين إلى مواقع معينة. وهذه حقيقة ينبغي التعامل معها بواقعية، بعيداً عن المبالغة في التوقعات أو الاعتقاد بأن الخبرة وحدها تكفي لضمان الفوز بأي منصب.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: إذا تعذّر توظيف هذه الخبرات خارج الأردن، أليس من الأولى أن تكون حاضرة في مؤسسات الدولة وهيئاتها، وفي مواقع صنع القرار التي تحتاج إلى المعرفة السياسية والرؤية الاستراتيجية والقدرة على قراءة التحولات الإقليمية والدولية؟
إن وجود هذه الشخصيات في مواقع استشارية أو مؤسسية مناسبة، أو الاستعانة بها في الملفات التي تتصل باختصاصها وخبرتها، يمكن أن يشكل إضافة حقيقية، شريطة أن يكون ذلك ضمن إطار مؤسسي واضح، وبما يضمن تكامل الأدوار واحترام صلاحيات المؤسسات، لا إنشاء مراكز متوازية للقرار أو إعادة إنتاج المناصب لمجرد إرضاء أصحابها.
ولنكن أكثر وضوحاً: حين يتعلق الأمر بمواقع تحتاج إلى خبرة سياسية ودبلوماسية متراكمة، ينبغي أن تكون الكفاءة والخبرة في مقدمة معايير الاختيار، لا أن تأتي بعد اعتبارات المحاصصة والمناطقية والعلاقات الشخصية.
فالوطن ليس ساحة لتوزيع المواقع، والمناصب العامة ليست مكافآت اجتماعية أو استحقاقات جغرافية، بل مسؤوليات تتصل بمصالح الناس ومستقبل الدولة. وإذا كانت مصلحة الأردن تقتضي الاستعانة بشخصية تمتلك الخبرة المناسبة، فإن واجب المؤسسات أن تضع هذه الخبرة في موضعها الصحيح، أياً كانت الاعتبارات الأخرى التي قد تحيط بعملية الاختيار.
ولا يعني هذا إقصاء الكفاءات الجديدة أو التقليل من قدرات الأجيال الصاعدة؛ فالدولة الناجحة هي التي تجمع بين خبرة من سبقوا وحيوية من يتقدمون، وتؤسس لعلاقة تكامل بين الأجيال، بدلاً من أن تجعل انتقال المسؤولية سبباً لانقطاع المعرفة أو ضياع التجارب.
الدبلوماسية الأردنية بحاجة إلى كل رصيدها
إن ما يمثله معالي السيد ناصر جودة، ومعالي السيد عبد الإله الخطيب، ومعالي الدكتور مروان المعشر، ومعالي الدكتور صلاح البشير، يتجاوز مجرد تولّيهم حقيبة وزارة الخارجية في مراحل سابقة؛ فهم يمتلكون رصيداً من الخبرة السياسية والدبلوماسية، ومعرفة متراكمة بتعقيدات العلاقات الدولية، وشبكة من العلاقات والاتصالات التي تشكّلت عبر سنوات من العمل في الشأن العام.
وقد تختلف الرؤى والاجتهادات بينهم، كما هو شأن العمل السياسي، لكن ذلك لا ينتقص من أهمية الخبرات التي راكموها، ولا من ضرورة إتاحة المجال للاستفادة منها بما يخدم المصالح الوطنية الأردنية.
فالعلاقات التي ينسجها المسؤول مع نظرائه من وزراء الخارجية، ومع كبار المسؤولين وصناع القرار في الدول الأخرى، لا تُختزل في لقاء رسمي أو اتصال عابر. إنها حصيلة سنوات من التواصل والثقة المتبادلة وفهم المصالح، ويمكن أن تكون ذات قيمة في لحظات التوتر والأزمات، وفي فتح قنوات الحوار، وفي تفسير المواقف، وفي الدفاع عن المصالح الأردنية.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس بالضرورة إعادة هؤلاء إلى مواقع تنفيذية، ولا منحهم مناصب شكلية لإرضاء الرأي العام، بل التفكير الجاد في آلية وطنية مؤسسية تتيح الاستفادة من خبرات الوزراء السابقين، كلٌّ بحسب اختصاصه وتجربته، سواء من خلال مجالس استشارية فاعلة، أو فرق وطنية للسياسات الخارجية، أو مهام تفاوضية ودبلوماسية محددة، أو ترشيحات مدروسة للمواقع العربية والدولية.
والأهم أن تكون هذه الآلية قائمة على معايير واضحة، وتقييم موضوعي للكفاءة، وربط المسؤولية بالنتائج، بعيداً عن المجاملات أو الاعتبارات التي لا تخدم المصلحة الوطنية.
هل اختاروا الغياب أم غاب الاستثمار في خبراتهم؟
لا أطرح هذا التساؤل من باب الحنين إلى أسماء تولت المسؤولية في الماضي، ولا من منطلق أن المناصب حق مكتسب لمن شغلها، بل من إيمان بأن الأردن، وهو يواجه مرحلة دقيقة من التحولات الإقليمية والدولية، لا يملك ترف التفريط بأي خبرة وطنية مؤهلة.
فإذا كان هؤلاء قد اختاروا الابتعاد، فإن احترام قرارهم لا يمنع من التساؤل عن إمكان الاستفادة من تجاربهم متى رغبوا في ذلك. أما إذا كانت مؤسسات الدولة لم تبادر إلى الاستعانة بهم، أو لم تضع خبراتهم ضمن حساباتها، فإن المراجعة تصبح ضرورة لا ترفاً؛ لأن الخلل لا يكون عندها في غياب الأشخاص فحسب، بل في غياب المنهج الذي يحوّل الخبرة الفردية إلى رصيد مؤسسي مستدام.
ولعل من الإنصاف أيضاً ألا نفترض أن الغياب يعني بالضرورة الإقصاء، أو أن عدم ظهور هذه الشخصيات في المشهد العام دليل على عدم الاستفادة منها في قنوات أخرى. فليس كل عمل وطني يجري أمام الكاميرات، وليس كل دور مؤثر بالضرورة دوراً معلناً. لكن هذا لا يلغي مشروعية السؤال عن وجود سياسة واضحة لاستثمار الخبرات الوطنية، وعن مدى حضورها في الملفات التي تحتاج إليها.
إن الدولة القوية ليست تلك التي تعتمد على الوجوه الجديدة وحدها، ولا تلك التي تبقى أسيرة الوجوه القديمة، بل التي تعرف متى تستدعي الخبرة، ومتى تفسح المجال للتجديد، وكيف توازن بينهما بما يخدم المصلحة العامة.
الأردن أولاً… والكفاءة قبل كل اعتبار
إن ما أدعو إليه ليس استعادة الماضي، بل بناء مستقبل يستفيد من دروسه. وليس المقصود أن يتولى الوزراء السابقون كل منصب شاغر، أو أن تكون لهم أولوية مطلقة لمجرد أنهم شغلوا حقيبة الخارجية، بل أن تكون خبرتهم حاضرة بجدية في أي عملية تقييم أو اختيار تتطلب معرفة دبلوماسية وسياسية متخصصة.
فإذا كان هناك موقع في الدولة يحتاج إلى خبرة في العلاقات الدولية، أو التفاوض، أو إدارة الأزمات، أو فهم مواقف القوى الإقليمية والدولية، فمن المنطقي أن تُدرس أسماء من يمتلكون هذه الخبرة دراسة جادة، وأن يكون معيار الاختيار هو القدرة على الإضافة وتحقيق النتائج.
وعندما يتعلق الأمر بمصلحة الوطن، فإن المحاصصة والمناطقية والعلاقات الشخصية يجب ألا تتقدم على الكفاءة والجدارة. فالمناصب ليست غايات في ذاتها، بل أدوات لخدمة الدولة والمواطنين، وأي اختيار لا ينطلق من هذا المبدأ يعرّض المصلحة العامة لخطر تقديم الاعتبارات الضيقة على الأولويات الوطنية.
كما أن تقديم الكفاءات الأردنية للمناصب العربية والدولية ينبغي أن يكون جزءاً من رؤية دبلوماسية طويلة الأمد، لا جهداً موسمياً مرتبطاً بفراغ منصب أو بظرف عابر. فالدول التي تريد أن يكون لها حضور مؤثر في المؤسسات الدولية تعمل على إعداد مرشحيها، وتعزيز فرصهم، وتوظيف علاقاتها وشبكاتها الدبلوماسية لدعمهم.
وهذا المسار لا يخدم الأفراد وحدهم، بل يعزز حضور الأردن وقدرته على التأثير في الملفات التي تمس مصالحه، ويمنح خبراته الوطنية مجالاً أوسع للمساهمة في معالجة التحديات العربية والدولية.
سؤال من أجل الدولة لا من أجل الأشخاص
ويبقى السؤال موجهاً إلى أصحاب القرار: هل استنفد الأردن فعلاً ما لدى هذه الشخصيات من خبرات، أم أن جزءاً من رصيده الدبلوماسي لا يزال خارج دائرة الاستفادة الكاملة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتطلب بيانات رسمية أو تبريرات بروتوكولية بقدر ما تتطلب مراجعة صريحة لطريقة اختيار الكفاءات، وإدارة الخبرات، وتحديد الأولويات الوطنية. فالأردن يستحق أن تُدار شؤونه بأعلى درجات الكفاءة، وأن تُستثمر علاقاته وإمكاناته البشرية بأفضل صورة ممكنة.
لقد أثبتت تجربة عبد الإله الخطيب في مهمته الأممية المتعلقة بليبيا أن الخبرة الأردنية قادرة على أن تجد موقعاً لها في الملفات الدولية عندما تتوافر فرصة توظيفها. والمطلوب اليوم هو التفكير في كيفية تحويل مثل هذه الفرص إلى نهج مستدام، يفتح المجال أمام الكفاءات الوطنية المؤهلة، سواء أكانت من الوزراء السابقين أم من غيرهم، لتقديم ما لديها من معرفة وخبرة في خدمة الأردن.
فالأوطان لا تخسر خبراتها حين يغادر أصحابها المناصب فحسب، بل تخسرها حقاً حين تعجز عن تحويل تلك الخبرات إلى قوة تسند حاضرها وتصون مستقبلها.
إن السؤال ليس: لماذا غاب هؤلاء عن المشهد؟ بل: كيف يستطيع الأردن أن يستفيد من خبراتهم، إن رغبوا في ذلك، وأن يجعل الكفاءة الوطنية معياراً ثابتاً في خدمة الدولة، لا فرصة عابرة تتوقف على الظروف والأشخاص؟
هذا هو جوهر القضية، وهذه هي المراجعة التي تستحقها الدبلوماسية الأردنية: أن تبقى الخبرة في خدمة الوطن، وأن تظل المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.