من حضور الملكة رانيا العبدالله إلى إنجازات المرأة الأردنية… هل آن الأوان لرئاسة الوزراء؟
حين نتحدث عن المرأة الأردنية اليوم، لم يعد ممكناً اختزال الحديث في حقها في العمل أو التعليم أو المشاركة الاجتماعية. فقد أصبحت المرأة الأردنية حاضرة في مواقع الإدارة والتشريع والحكومة والدبلوماسية والقضاء والعمل العام، وأثبتت خلال عقود أنها جزء أساسي من مسيرة الدولة الأردنية وتطورها.
ولعل الحضور اللافت للملكة رانيا العبدالله على المستويين الأردني والدولي يقدم، من زاوية مختلفة، صورة واضحة عن حجم ما تستطيع المرأة الأردنية أن تحمله من مسؤولية وتأثير. فالملكة رانيا جعلت من التعليم وتمكين الشباب والطفولة والتنمية محاور رئيسية في عملها، وأسهمت من خلال مبادرات ومؤسسات عدة في طرح قضايا أردنية على مستوى دولي واسع، ومن بينها مؤسسة الملكة رانيا للتعليم والتنمية التي تأسست عام 2013 بهدف دعم إصلاح التعليم وتطوير الفرص أمام الأطفال والشباب. Queen Rania
لكن الإشارة إلى الملكة رانيا هنا ليست للمقارنة بينها وبين أي امرأة أخرى، ولا لربط موقعها الملكي بأي منصب سياسي أو تنفيذي؛ فلكل موقع طبيعته ودوره. وإنما هي مدخل إلى سؤال أكبر: إذا كانت المرأة الأردنية قد استطاعت أن تثبت حضورها وتأثيرها في مجالات متعددة، فهل أصبحت مؤهلة لأن تكون، عندما تتوافر الشروط، ضمن الخيارات الطبيعية لرئاسة الحكومة؟
هذا السؤال ليس جديداً تماماً، لكنه اليوم أكثر قابلية للنقاش.
فالمرأة الأردنية دخلت مجلس الوزراء منذ عام 1979، عندما تولت إنعام المفتي وزارة التنمية الاجتماعية، وكانت بذلك أول امرأة تدخل السلطة التنفيذية وزيراً.
ومنذ ذلك الوقت، لم تتوقف المسيرة. فقد عرف الأردن وزيرات ونائبات وسفيرات وقاضيات وقيادات في المؤسسات العامة والخاصة. ومن الأسماء التي تركت حضوراً في الحياة السياسية والعامة توجان فيصل، أسماء خضر، ريم أبو حسان، سمر الحاج حسن، مها علي، هيفاء النجار، ووفاء بني مصطفى، إلى جانب أسماء أردنية بارزة في الدبلوماسية مثل الدكتورة علياء بوران ودينا قعوار وغيرهما.
ولا تكمن أهمية هذه الأسماء في عدد المناصب التي شغلتها كل واحدة منهن، وإنما في حقيقة أن التجربة الأردنية أنتجت، على مدى عقود، رصيداً من الخبرات النسائية القادرة على التعامل مع ملفات الدولة المختلفة.
بل إن مسيرة المرأة في البرلمان نفسها تعكس هذا التغير. فمنذ دخول توجان فيصل مجلس النواب عام 1993 كأول امرأة منتخبة، ارتفع عدد النساء في مجلس النواب تدريجياً، حتى وصل عددهن بعد انتخابات 2024 إلى 27 نائبة من أصل 138 عضواً، أي 19.6%. IPU Parline
وفي المقابل، تكشف الأرقام أيضاً أن الطريق لم يكتمل بعد. فدراسة رسمية حديثة أظهرت أن النساء يشكلن 15.6% من أعضاء مجلس الوزراء وفق البيانات المستخدمة في الدراسة، وأن مشاركتهن في القيادة التنفيذية الحكومية ما تزال محدودة، رغم وصول نسبة النساء في المناصب الإدارية إلى 52.3% عام 2023. كما ارتفعت مشاركة المرأة في السلك الدبلوماسي إلى 25.6%، وبلغت نسبة السفيرات 15.4% في العام نفسه. DOS Web
وهنا تحديداً يصبح السؤال أكثر عمقاً.
هل المطلوب أن تتولى امرأة رئاسة الوزراء لمجرد أنها امرأة؟ بالتأكيد لا.
رئاسة الوزراء ليست مكافأة للمرأة، وليست تعويضاً عن سنوات من ضعف التمثيل، وليست أيضاً انتصاراً لجنس على آخر. إنها مسؤولية سياسية وتنفيذية كبرى، تتطلب الخبرة والقدرة على اتخاذ القرار وإدارة الأزمات وفهم الاقتصاد والسياسة والمجتمع، والعمل مع مؤسسات الدولة كافة.
لكن في المقابل، هل من المنطقي أن يكون كون الشخص امرأة سبباً لاستبعادها مسبقاً من التفكير في هذا الموقع؟
هنا تكمن القضية.
فالدولة التي تبحث عن أفضل الكفاءات لا ينبغي أن تبدأ عملية الاختيار بسؤال: «رجل أم امرأة؟» وإنما بسؤال: «من يمتلك في هذه المرحلة الخبرة والرؤية والقدرة على قيادة الحكومة وتحمل مسؤولياتها؟»
وعندما تكون الإجابة امرأة أردنية، فإن جنسها لا ينبغي أن يكون هو العامل الذي يحسم المسألة.
لقد تجاوزت المرأة الأردنية منذ زمن مرحلة إثبات أنها قادرة على العمل خارج المنزل أو الوصول إلى التعليم أو تولي وظيفة قيادية. وهي اليوم موجودة في البرلمان والحكومة والسلك الدبلوماسي والقضاء والإدارة والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص.
والتحدي الحقيقي الآن ليس فقط زيادة عدد النساء في مواقع القرار، وإنما الوصول إلى مرحلة تصبح فيها المرأة جزءاً طبيعياً من دائرة التفكير عند اختيار القيادات العليا للدولة.
وهذا فرق كبير.
فأن نقول «نريد امرأة رئيسة للوزراء» قد يحول القضية إلى صراع بين الرجل والمرأة. أما أن نقول «نريد أن يكون الباب مفتوحاً أمام الكفاءة الأردنية، رجلاً كانت أم امرأة»، فهذه قضية تتعلق بتطوير الدولة نفسها.
وربما لهذا السبب يستحق السؤال أن يطرح اليوم بهدوء وجرأة:
بعد أكثر من أربعة عقود على دخول المرأة الأردنية مجلس الوزراء، وبعد عقود من التجربة البرلمانية والدبلوماسية والإدارية، وبعد أن أثبتت نساء أردنيات حضورهن في مواقع مختلفة من الدولة، هل آن الأوان لأن تصبح رئاسة الوزراء أيضاً خياراً مفتوحاً أمام امرأة أردنية مؤهلة؟
ليس المطلوب أن نختار امرأة لأن الوقت «حان دورها»، ولا أن نبحث عن سابقة تاريخية نحتفل بها.
المطلوب ببساطة أن نصل إلى مرحلة لا تكون فيها المرأة مستبعدة من السؤال أصلاً.
فقد يكون السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه مستقبلاً عند تشكيل أي حكومة ليس: من الرجل الذي يمكن أن يرأسها؟ ولا: متى يأتي دور المرأة؟
بل:
من هو الأردني أو الأردنية الأكثر قدرة على قيادة الحكومة وخدمة الأردن في هذه المرحلة؟
عندها فقط نكون قد انتقلنا من الحديث عن تمكين المرأة إلى الحديث عن تمكين الدولة من الاستفادة من جميع كفاءاتها.
وربما تكون هذه هي الخطوة التالية في مسيرة المرأة الأردنية: ليس مجرد الوصول إلى مواقع القرار، وإنما أن تصبح رئاسة الحكومة نفسها ضمن دائرة الاحتمالات الطبيعية للكفاءة الأردنية، دون أن يكون جنس صاحب القرار هو السؤال الأول.
فالمرأة الأردنية لا تحتاج إلى رئاسة الوزراء لكي تثبت أنها قادرة؛ لكنها تستحق أن تكون الكفاءة هي المعيار الذي يقرر إن كانت قادرة على توليها.