في مضارب الصديق الراحل.. كانت السياسة أكثر صراحة، وكانت الصحراء تحفظ أسرار الرجال..)
بعض الأصدقاء لا يغادروننا حين يغادرون الحياة؛ يتركون في الذاكرة مكاناً لا يشبه الأمكنة، وصوتاً لا يشبه الأصوات، وتفاصيل صغيرة تكفي وحدها لاستعادة سنوات كاملة.
كان الدكتور طراد سعود القاضي واحداً من أولئك الذين تركوا في الذاكرة أكثر من صورة، وأكثر من حكاية.
كانت تربطني به علاقة صداقة عميقة، بدأت من عيادته في الوسط التجاري لإربد القديمة، حيث كنت أزوره، ونلتقي في أحاديث تتجاوز الطب والسياسة إلى الثقافة والحياة والناس.
كان طبيباً، لكنه لم يكن يعيش مهنته وحدها؛ كان يحمل ثقافة واسعة، عالية المذاق، وإنسانية عميقة، وكأن الثقافة عنده لم تكن ترفاً معرفياً، وإنما طريقة في النظر إلى الإنسان والحياة.
كان بدويّاً قومياً، يحمل الصحراء في لغته، وفي صراحته، وفي طريقته في قراءة السياسة. يعرف تفاصيلها، ويعرف أيضاً ما وراء التفاصيل.
وفي بداية التسعينيات، قال لي ذات مساء:
«أدعوك للعشاء في مضاربي».
كانت الدعوة بسيطة في كلماتها، لكنها حملتني إلى مكان ظل حاضراً في ذاكرتي منذ ذلك اليوم.
ذهبت إلى حوشا، تلك البلدة الوادعة الواقعة إلى الشرق من إربد وغرب المفرق، في فضاء تتسع فيه الصحراء وتمتد الرمال الذهبية في الأفق، وكأنها صفحة مفتوحة لا تعرف المجاملة.
أصرّ الصديق الراحل على أن أكون ضيفه ثلاثة أيام.
ثلاثة أيام كاملة أمضيناها في حضن الصحراء، في بيت شعر عامر بالمحبة والكرم والدفء.
لم تكن الضيافة مجرد قهوة ووجبات وطقوس بدوية جميلة؛ كانت استضافة للذاكرة أيضاً.
في بيت الشعر، كان الكلام يأخذ مداه.
لا جدران تحد الحوار، ولا ساعات تضغط على الحديث، ولا حاجة إلى انتقاء الكلمات كثيراً.
كانت الصحراء من حولنا تمنح الكلام شيئاً من صفائها.
وهناك، لم أتفاجأ حين وجدت بين ضيوف مضارب القاضي المفكر العربي الدكتور محمد المسفر.
كان اللقاء به في ذلك المكان واحداً من تلك المصادفات الجميلة التي لا تبدو مصادفات حين تستعيدها الذاكرة بعد سنوات.
جمعني طراد به في مضاربه، وكأن الرجل كان يعرف أن الفكر، حين يلتقي بالصداقة، لا يحتاج إلى قاعة مؤتمر أو منصة رسمية.
هناك، في قلب الصحراء، كان الحوار أكثر حميمية، وأكثر صدقاً، وأكثر قرباً من الإنسان.
كان حضور الدكتور محمد المسفر بيننا يضيف إلى مجلس القاضي بعداً آخر؛ فالمكان الذي جمعنا لم يكن مجرد بيت شعر، بل كان فضاءً مفتوحاً على أسئلة السياسة العربية، وقضايا الأمة، وهموم الإنسان، وهي الموضوعات التي كانت تشغل طراد القاضي كما تشغل المثقف العربي في ذلك الزمن.
ولعل أجمل ما في تلك المجالس أنها لم تكن تبحث عن الاستعراض.
كان كل شيء بسيطاً.
القهوة، ودفء المجلس، وامتداد الرمل، وأحاديث الرجال.
لكن خلف تلك البساطة كانت هناك ثقافة واسعة وتجارب سياسية عميقة.
وفي تلك الزيارة كان د. طراد قد أخذ مقعداً تكميلياً في مجلس النواب الأردني، وكان يعيش مرحلة سياسية مهمة من حياته العامة.
جلست إليه أحاوره، وكنت أريد أن أعرف الرجل السياسي كما عرفته صديقاً وطبيباً ومثقفاً.
لكنني اكتشفت أن السياسة عند طراد القاضي لم تكن مهنة منفصلة عن شخصيته.
كان يتحدث عنها بلغة البدوي المثقف، العارف ببواطنها، والقادر على قراءة ما بين السطور.
كان صريحاً مثل صحراء حوشا.
لا يكثر من الالتفاف حول الفكرة، ولا يضع الكلمات في غير أماكنها.
تحدثنا يومها في مفاصل كثيرة وحساسة من السياسة الأردنية والعربية، وتوقفنا طويلاً عند مرحلة من العلاقات الأردنية السورية في منتصف سبعينيات القرن الماضي، حين كانت المنطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها السياسية تعقيداً.
وكان للقاضي فيها دور يتجاوز موقعه الوزاري.
فقد أُرسل إلى دمشق مبعوثاً من الملك الحسين بن طلال، في مهمة سياسية هدفت إلى احتواء أزمة بين البلدين الجارين والشقيقين.
وكان طراد القاضي يومها وزيراً للصحة، لكن الرجل لم يكن يرى المنصب الوزاري بوصفه حدوداً لدوره؛ كان يرى أن المسؤولية الوطنية قد تفرض على صاحبها أن يذهب حيث تكون الحاجة إليه.
وحين تحدث عن تلك المرحلة، لم أشعر أنني أمام رواية سياسية باردة.
كان يتحدث عن أشخاص وبلدان وذكريات، وقلق على علاقة بين شعبين وجارين، وعن زمن كانت فيه السياسة العربية أكثر قرباً من فكرة الحوار المباشر.
كان يعرف أن السياسة ليست بيانات فقط، وأن العلاقات بين الدول لا تُدار دائماً من خلف المكاتب، وأن كلمة رجل واحد قد تفتح باباً كان على وشك أن يغلق.
كنت يومها في يومية الدستور الأردنية، وكان لي رصيد صحفي عملي في صحيفة المجد، التي يرأس تحريرها الزميل الأستاذ المخضرم فهد الريماوي.
ونشرت حواري مع د. طراد القاضي في الصحيفتين بتزامن، قبل صدور يومية العرب اليوم التي انتقلت إليها منذ تأسيسها في أيار عام 1997.
واليوم، كلما عدت إلى تلك المرحلة، لا أتذكر الحوار وحده.
أتذكر المكان.
أتذكر بيت الشعر.
أتذكر القهوة.
أتذكر الصحراء وهي تمتد بلا نهاية.
أتذكر الدكتور محمد المسفر وهو يجلس في مضارب القاضي.
وأتذكر طراد القاضي وهو يتحدث.
كانت هناك في صوته نبرة خاصة؛ شيء من الحكمة التي تصنعها التجربة، وشيء من الصرامة التي تمنحها البادية لأبنائها، وشيء من الثقافة التي تجعل صاحبها قادراً على رؤية المشهد من أكثر من زاوية.
كان يستطيع أن ينتقل من السياسة إلى التاريخ، ومن التاريخ إلى الإنسان، ومن الإنسان إلى تفاصيل الحياة اليومية، دون أن تشعر بأن الحديث قد غادر موضوعه.
ربما لأن السياسة بالنسبة إليه كانت في النهاية شأناً إنسانياً.
والإنسان كان دائماً في مركز اهتمامه.
لهذا بقيت صداقته في الذاكرة.
لا بسبب المناصب التي حملها، ولا بسبب عضويته في مجلس النواب، ولا لأنه كان وزيراً للصحة في زمن مهم، وإنما لأنه كان إنساناً يعرف كيف يترك أثراً في الذين يلتقيهم.
لقد عرفته في عيادته في إربد القديمة، ثم عرفته في حوشا، في قلب الصحراء.
وهناك، بين المكانين، اكتملت صورته في ذاكرتي.
في المدينة كان الطبيب والمثقف والسياسي.
وفي الصحراء كان طراداً آخر؛ أكثر قرباً من جذوره، وأكثر تحرراً في حديثه، وأكثر قدرة على استعادة التفاصيل.
كان الحوار معه في الصحراء مختلفاً.
ربما لأن الصحراء لا تحتمل الأقنعة.
كل شيء فيها واضح: الرمل، الأفق، الليل، النار، القهوة، والإنسان.
وحين يجلس البدوي المثقف أمامك في بيت شعر، فإن السياسة تصبح أقل بروتوكولاً، والتاريخ يصبح أكثر إنسانية، والأسئلة تصبح أكثر جرأة.
لهذا بقي ذلك الحوار في ذاكرتي.
وبقيت الأيام الثلاثة التي أمضيتها في حوشا واحدة من تلك الذكريات الصحفية والإنسانية التي لا تستطيع السنوات أن تمحوها.
رحل د. طراد سعود القاضي، لكن صوته ما زال حاضراً في مكان ما من الذاكرة.
كلما مرّ طيف الصحراء أمامي، أتذكره.
وكلما استعدت تلك السنوات من العمل الصحفي، أعود إلى ذلك الحوار.
وأشعر أنني ما زلت أجلس إلى جواره في بيت الشعر، نستمع إلى صمت الصحراء، ونتحدث عن الأردن، وعن السياسة، وعن الإنسان.
وربما لهذا السبب تحديداً، تبدو بعض الحوارات أكبر من كونها حوارات صحفية.
تصبح شهادة على زمن.
وعلى رجال مرّوا في حياتنا، ثم غابوا، لكنهم تركوا لنا ما يكفي من الضوء كي نستعيدهم كلما احتجنا إلى الذاكرة.
حوار الصحراء شيء مختلف.
هناك، لا تستطيع الكلمات أن تختبئ طويلاً.
فالصحراء صريحة.
وكان طراد القاضي، في حديثه وصداقته ومواقفه، يشبهها كثيراً.