لندن: محمد الطّورة
طريقان مختلفان.. وفكرة وطنية واحدة: أن يكون الاختلاف من أجل الوطن، لا على حساب الوطن
المعارضة الوطنية هي التي تعمل من داخل الوطن بأفكارها ، ويكون هدفها الرئيسي أن تصل إلى مواقع صنع القرار لتُصلح ما تراه يحتاج إلى تغيير في الممارسات والسياسات.
المعارضة الوطنية ليست أن تقف دائمًا في الجهة المقابلة للدولة، ولا أن تتحول السياسة إلى سباق في إطلاق الشعارات وجلد الوطن.
المعارضة الحقيقية هي أن ترى الخلل، وتنتقده، ثم تبحث عن الطريق الذي يوصلها إلى مراكز صنع القرار حتى تستطيع إصلاحه.
ومن هنا، فإن تجربتي نايف الطورة والدكتور خالد الكلالدة تستحقان التوقف عندهما؛ ليس لأن الرجلين متشابهان في كل مواقفهما أو مساراتهما، وإنما لأن في تجربتيهما قاسمًا مشتركًا جديرًا بالتأمل: أن المعارضة يمكن أن تكون من أجل الوطن، لا خصومة مع الوطن.
نايف الطورة، الذي حمل لسنوات أفكاره ومواقفه تجاه الشأن الأردني، عاد إلى وطنه حاملاً أفكاره ومواقفه، ولم تكن العودة تخليًا عن حقه في الاختلاف أو النقد.
وفي واحدة من العبارات التي تختصر كثيرًا من معنى العلاقة بين المعارض ووطنه، قال الطّورة عقب عودته:
«لا أحد يستقوي على وطنه».
عبارة تختصر معنى كبيرًا؛ فالمعارضة الوطنية لا تستقوي على وطنها، ولا تجعل من اختلافها السياسي وسيلة للنيل منه أو الانتقام منه.
وكأني بالطّورة يقول قد يختلف الإنسان مع الحكومة، وقد ينتقد سياساتها، وقد يعترض على بعض ممارساتها، لكنه يظل قادرًا على أن يضع الوطن فوق الخلاف السياسي.
فالوطن يجب أن يبقى أوسع من الخلاف، وأبقى من الموقف السياسي.
ولعل عودة الطّورة إلى الأردن تعكس أن بعض ما حمله من أفكار ومواقف استطاع أن يصل إلى أصحاب القرار، وأن يجد لديهم ما يستحق التأمل والاقتناع بجدية الدافع الوطني الذي كان وراءها.
ومن هنا، فإن عودة نايف الطورة إلى الأردن يمكن أن تُقرأ بوصفها مثالًا على أن الاختلاف لا يجب أن يقود بالضرورة إلى القطيعة، وأن صاحب الرأي المختلف يمكن أن يعود إلى وطنه وهو لا يزال يحمل أفكاره وقناعاته.
أما الدكتور خالد الكلالدة، فقد اختار طريقًا آخر؛ انتقل من موقع المعارضة إلى داخل مؤسسات الدولة، ليضع أفكاره في اختبار المسؤولية، وليترجم ما يؤمن به من خلال العمل العام وصنع القرار.
فقد تولى الوزارة، ثم رئاسة الهيئة المستقلة للانتخاب، ثم أصبح عضوًا في مجلس الأعيان.
وهنا يظهر الفرق بين معارضة وطنية تريد أن تغيّر، ومعارضة تجعل من المعارضة غاية بحد ذاتها.
فالذي يؤمن بأن في الدولة خللًا، ويرى أن لديه مشروعًا أفضل، فإن الطريق الطبيعي أمامه ليس أن يبقى على الرصيف يكرر النقد إلى ما لا نهاية، وإنما أن يسعى، بالوسائل السياسية والمؤسسية المشروعة، إلى الوصول إلى مواقع التأثير، ويحاول أن يترجم أفكاره إلى سياسات وممارسات.
ولعل العبارة التي قالها الكلالدة ذات يوم تختصر جانبًا مهمًا من هذه الفكرة:
«لا زلتُ معارضًا، والملك يستمع للمعارضة».
هذه العبارة تستحق أن تُقرأ أبعد من حدود تجربة الكلالدة الشخصية.
فالمعارضة هنا لا تعني القطيعة مع الدولة، كما أن المشاركة في مؤسساتها لا تعني بالضرورة التخلي عن حق الاختلاف.
الدولة تحتاج إلى معارضة، والمعارضة تحتاج إلى دولة.
ومن هنا، فإن المطلوب من بعض الجهات الرسمية …. ليس أن تتفق مع المعارضة في كل ما تطرح، وإنما أن تقترب منها، وتستمع إليها، وتختبر أفكارها.
فما كان منها صالحًا ومفيدًا للوطن يمكن الاستفادة منه، وما كان غير ذلك يمكن رفضه بالحجة والمنطق.
الحوار لا يعني الاتفاق، والاستماع لا يعني التنازل، والتقارب في القضايا الوطنية لا يعني أن هناك غالبًا ومغلوبًا فالغاية أن ينتصر الوطن.
ولعل هذه هي النقطة التي نحتاج أن نعيد التفكير فيها جميعًا.
فالمعارض الوطني ليس بالضرورة شخصًا يقف ضد الدولة ونظامها، كما أن المسؤول ليس بالضرورة شخصًا يقف ضد المعارضة.
قد يكون كلاهما، من موقعه، يبحث عن مصلحة الوطن، لكن كل واحد منهما يراها من زاوية مختلفة.
ولهذا فإن إغلاق الأبواب أمام أصحاب الرأي المختلف لا يخدم الدولة، كما أن رفض المعارضة لكل ما يأتي من الدولة لا يخدم الوطن.
المطلوب هو الحوار.
أن تقترب المؤسسات الرسمية من أصحاب الرأي كما فعل بعضها…، وأن تسمع منهم مباشرة، وأن تميز بين من يعارض لمجرد المعارضة، وبين من يعارض لأنه يرى أن هناك طريقًا أفضل.
فإذا كانت الفكرة عبثية، فإن الحوار سيكشف ذلك.
وإذا كان وراءها حرص على الوطن ورؤية تستحق النقاش، فلماذا لا تستمع إليها الدولة؟
الاستماع ليس ضعفًا، والحوار ليس تنازلًا.
بل إن الدولة الواثقة من نفسها تستطيع أن تستمع إلى أشد منتقديها، ثم تقرر ما تأخذ به وما ترفضه.
وفي المقابل، فإن المعارضة مطالبة هي الأخرى بأن تدرك أن الدولة ليست خصمًا دائمًا، وأن النقد لا يعني القطيعة، وأن الوصول إلى مواقع القرار ليس تنازلًا عن المبادئ، بل قد يكون الاختبار الحقيقي للأفكار والمواقف.
فمن السهل أن تنتقد من الخارج، لكن الأصعب أن تدخل إلى الوطن و تعمل في مؤسساتة وتحاول إصلاحها من الداخل.
ومن السهل أن تقول إن الحكومة أخطأت، لكن الأصعب أن تتحمل مسؤولية القرار عندما تصبح أنت جزءًا من الحكومة.
ولهذا فإن انتقال المعارض الوطني إلى موقع المسؤولية لا ينبغي أن يُفهم تلقائيًا باعتباره تخليًا عن المعارضة؛ فقد يكون ببساطة انتقالًا من مرحلة النقد إلى مرحلة الفعل.
نحن بحاجة إلى معارضة تقول:
نختلف، ولكننا نريد أن نشارك.
ننتقد، ولكننا نريد أن نُصلح.
لدينا ملاحظات، ولدينا بدائل.
ونريد أن نضع أفكارنا في خدمة الوطن.
وبالمقابل، نحتاج إلى مؤسسات رسمية تقول:
تعالوا، قولوا ما لديكم، وسنستمع ونناقش ونأخذ بما نراه صالحًا للوطن.
عندها لا تصبح العلاقة بين الدولة والمعارضة معركة لإثبات من انتصر على من.
فالذي يجب أن ينتصر هو الأردن.
الوطن لا يحتاج إلى من يجلده كل يوم بحجة معارضته، كما أنه لا يحتاج إلى معارضة تصفق له في كل شيء.
الوطن يحتاج إلى من يختلف معه ليصلحه، وينتقده ليطوره، ويسعى إلى مواقع المسؤولية ليضع أفكاره موضع الاختبار.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة المعارضة الوطنية:
أن يكون هدفها النهائي ليس هدم الدولة، ولا التصفيق لها، وإنما المشاركة في إصلاحها.
ولعل تجربة الطّورة والكلالدة، رغم اختلاف مساريهما، تقول لنا فكرة تستحق أن نتوقف عندها:
نايف الطورة عاد بأفكاره إلى الوطن ليقولها من الداخل لصاحب القرار.. وخالد الكلالدة دخل الدولة ليترجم أفكاره من خلالها.
طريقان مختلفان، لكن الفكرة التي تجمعهما أوسع من الخلاف في الوسيلة: