لندن: محمد الطّورة
من 1 إلى 5: عادات وسلوكيات حان وقت التوقف عنها لكسب راحة البال وهدوء النفس
لكل مجتمع عاداته وتقاليده الجميلة التي تستحق أن نحافظ عليها، والمجتمع الأردني غني بالكثير من القيم التي نعتز بها؛ من الكرم والنخوة إلى الشهامة وصلة الرحم ومساعدة الآخرين.
لكن، وكما هو الحال في أي مجتمع، هناك بعض السلوكيات التي أصبحت تستحق منا وقفة ومراجعة.
لا أتحدث هنا عن عادات يمارسها الجميع، ولا عن انتقاد للمجتمع أو للناس، وإنما عن سلوكيات نراها من حولنا، وربما نمارس بعضها دون أن نتوقف لنسأل أنفسنا: هل ما نفعله يستحق فعلاً أن يستمر؟
ربما حان الوقت لأن نراجع بعض هذه السلوكيات، لا بهدف جلد الذات، وإنما بهدف أن تصبح حياتنا أبسط، وعلاقاتنا أكثر احتراماً، ومجتمعنا أكثر راحة.
1. المظاهر والاستهلاك على حساب الاستقرار
أصبح لدى البعض هاجس الظهور بمستوى معيشي أعلى من الواقع؛ سيارة أغلى، هاتف أحدث، ملابس أكثر تكلفة، مطاعم ومقاهٍ ومناسبات أكبر، وكأن الإنسان أصبح مطالباً باستمرار بأن يثبت للآخرين أنه يعيش في مستوى معين.
المشكلة ليست في أن يستمتع الإنسان بماله أو يشتري ما يحب، وإنما عندما يتحول الاستهلاك إلى وسيلة لإثبات المكانة الاجتماعية، ويصل الأمر إلى الاقتراض والدخول في الديون من أجل المحافظة على صورة معينة أمام الآخرين.
وينطبق الأمر نفسه على الأعراس والمناسبات وتكاليف الزواج والمبالغة في المهور. فمن غير المنطقي أن تتحول ليلة واحدة إلى سنوات من الالتزامات والديون، وأن يبدأ الزوجان حياتهما بمحاولة سداد تكلفة حفل أقيم لإرضاء الآخرين.
الفرح جميل، والكرم أجمل، لكن الأجمل أن يكون كل ذلك ضمن القدرة والاستطاعة.
ليس عيباً أن يعيش الإنسان وفق دخله، وليس نقصاً أن تكون مناسباته بسيطة؛ العيب أن يرهن مستقبله من أجل رأي الآخرين.
2. الانشغال بحياة الآخرين والمقارنة بينهم
من أكثر الأمور التي تستنزف الإنسان والمجتمع الانشغال الزائد بتفاصيل حياة الآخرين.
ماذا اشترى فلان؟ كم راتبه؟ أين يسكن؟ لماذا لم يتزوج؟ لماذا تزوج؟ لماذا اشترى هذه السيارة؟ كيف يستطيع أن يعيش بهذه الطريقة؟
ثم لا يتوقف الأمر عند الفضول، بل يتحول أحياناً إلى مقارنة دائمة:
“انظر إلى ابن فلان.”
“فلان استطاع أن يشتري بيتاً.”
“فلانة تزوجت.”
“لماذا أنت لست مثلهم؟”
هذه المقارنات لا تجعل الإنسان أفضل، وإنما قد تجعله يشعر دائماً بأنه متأخر عن غيره.
لكل إنسان ظروفه وإمكاناته وأولوياته وطريقته في الحياة. وما يناسب شخصاً قد لا يناسب غيره.
ولعل من أجمل القواعد التي يمكن أن نتعلمها:
ليس كل ما أعرفه عن الآخرين يخصني، وليس كل ما أراه يحتاج إلى تعليق.
فالإنسان الذي ينشغل بإصلاح حياته، وتطوير نفسه، ورعاية أسرته، والقيام بعمله، لن يجد وقتاً طويلاً لمراقبة حياة الآخرين.
3. الكلام عن الآخرين والإشاعات والتعامل بوجهين
قد تبدأ الإشاعة بجملة بسيطة:
“سمعت أن…”
ثم تنتقل من شخص إلى آخر حتى تتحول عند البعض إلى حقيقة، رغم أن أحداً لا يعرف أصلها ولا مدى صحتها.
الكلام عن الناس في غيابهم، ونقل الأخبار غير المؤكدة، والتدخل في خصوصياتهم، كلها سلوكيات قد تؤذي إنساناً لا يعرف حتى أنه أصبح موضوعاً للحديث.
ويزداد الأمر سوءاً عندما يتعامل الإنسان مع شخص بطريقة أمامه، ثم بطريقة مختلفة تماماً خلف ظهره.
المجاملة شيء، والاحترام شيء، والنفاق شيء آخر.
ليس مطلوباً أن نتفق مع الجميع، ولا أن نحب الجميع، ولكن يمكننا أن نختلف باحترام، وأن ننتقد الفكرة دون أن نهين صاحبها، وأن نقول للإنسان ما نقوله عنه في غيابه.
وقبل أن ننقل كلاماً عن شخص آخر، ربما يكفي أن نسأل أنفسنا ثلاثة أسئلة:
هل أعرف أن هذا الكلام صحيح؟
هل من حقي أن أنقله؟
وهل سيؤذي إنساناً إذا نقلته؟
أحياناً يكون الصمت فضيلة، وعدم نقل الكلام احتراماً للآخرين.
4. عندما نتعامل مع العام وكأنه لا يعنينا
هناك سلوكيات تكشف مدى شعورنا بالمسؤولية تجاه ما هو مشترك بيننا.
فالطريق والشارع والحديقة والمرفق العام والمؤسسة الحكومية ليست ملكاً لشخص آخر؛ إنها ملك للجميع، وما نفعله فيها يعود أثره علينا وعلى غيرنا.
نرى ذلك في القيادة المتهورة، واستخدام الهاتف أثناء القيادة، والوقوف العشوائي، وعدم احترام المشاة، وإلقاء النفايات من نوافذ السيارات.
وقد تبدو بعض هذه التصرفات بسيطة، لكنها عندما تصبح عادة جماعية تتحول إلى مشكلة تؤثر في سلامة الناس ونظافة المدن وجودة الحياة.
والأمر نفسه ينطبق داخل المؤسسات.
فالموظف الذي يعمل في مؤسسة عامة يجب أن ينظر إلى مكتبه ومكان عمله كما ينظر إلى بيته. يحافظ على نظافته وترتيبه، ويطفئ الإنارة والأجهزة عندما لا تكون هناك حاجة إليها، ويتأكد من عدم هدر المياه، ويتعامل مع ممتلكات المؤسسة وكأنها مسؤولية شخصية وليست أشياء لا قيمة لها.
فالمال العام ليس مالاً بلا صاحب، والكهرباء والماء والمستلزمات ليست موارد بلا قيمة.
وكذلك المواطن الذي يدخل مؤسسة حكومية لإنجاز معاملة من حقه أن يجد موظفاً يحترم وقته، ويستقبله بوجه بشوش، ويشرح له ما يحتاج إليه بوضوح، ويحاول مساعدته ضمن الأنظمة، بدلاً من تعقيد الأمور عليه أو مطالبته بالعودة في يوم آخر عندما يكون بالإمكان إنجاز الأمر في الزيارة نفسها.
وفي المقابل، فإن احترام المراجع يجب أن يقابله احترام الموظف.
لا مبرر للصراخ أو الإساءة أو التجاوز أو التقليل من شأن الموظف لمجرد أن المراجع لم يحصل على ما يريد. يمكن للإنسان أن يطالب بحقه، وأن يعترض، وأن يطلب تفسيراً أو حلاً، ولكن دون أن يتحول الاعتراض إلى إساءة شخصية.
الاحترام هنا يجب أن يكون متبادلاً: الموظف يحترم وقت المراجع وكرامته، والمراجع يحترم الموظف وجهده وكرامته.
عندما يفهم الطرفان هذه المعادلة، تصبح المؤسسة مكاناً لإنجاز مصالح الناس، لا ساحة للصراع بين الموظف والمراجع.
وفي النهاية، سواء كنا خلف مقود السيارة، أو نسير في الشارع، أو نعمل في مؤسسة، أو نراجع مؤسسة لإنجاز معاملة، فإن السؤال واحد:
هل أتصرف بطريقة تجعل حياة الآخرين أسهل، أم أزيد عليهم عناءً كان بالإمكان تجنبه؟
5. إرضاء الناس على حساب الإنسان نفسه
ربما يجمع معظم ما سبق عامل واحد: الخوف من كلام الناس ومحاولة إرضائهم.
قد يدخل الإنسان في قرض، أو يقيم مناسبة تفوق قدرته، أو يشتري ما لا يحتاجه، أو يقارن نفسه بغيره، فقط حتى لا يقال عنه إنه أقل من الآخرين.
وأثناء عيشي بين الإنجليز، لفت انتباهي معنى عميق يتكرر في حديثهم:
“I have nothing to prove.”
أي:
“ليس لدي ما أثبته لأحد.”
قد تبدو جملة بسيطة، لكنها تحمل معنى كبيراً في طريقة الإنسان في الحياة.
عندما لا يشعر الإنسان بأنه مطالب باستمرار بإثبات نفسه للآخرين، يصبح أكثر قدرة على أن يعيش ببساطة، وأن يشتري ما يحتاجه، وأن يقيم مناسباته وفق قدرته، وأن يختار حياته دون أن يكون أسيراً لنظرة الناس.
ليس معنى ذلك ألا يهتم الإنسان برأي الآخرين، أو ألا يحترم المجتمع، وإنما ألا يصبح رأي الآخرين هو الذي يقود حياته وقراراته.
فالناس لن يدفعوا ديونك، ولن يعيشوا حياتك، ولن يتحملوا نتائج قراراتك.
وربما نحتاج في مجتمعاتنا إلى شيء من هذه الفكرة:
ليس لدي ما أثبته لأحد.
عش وفق قدرتك، واحترم الآخرين، وافرح بما تستطيع، وكن كريماً بقدر استطاعتك، ولا تجعل حياتك مشروعاً دائماً لإثبات أنك أغنى أو أنجح أو أفضل من غيرك.
ففي النهاية، راحة الإنسان تبدأ عندما يتوقف عن العيش لإثبات شيء للآخرين.
كلمة أخيرة
لا أعتقد أن تغيير المجتمع يبدأ دائماً بقوانين جديدة أو قرارات كبيرة.
أحياناً يبدأ من سلوك صغير جداً:
أن لا نرمي النفايات من نافذة السيارة.
أن نحترم وقت إنسان ينتظر دوره.
أن نطفئ الضوء الذي لا نحتاجه.
أن لا ننقل إشاعة.
أن لا نقارن أبناءنا بغيرهم.
أن لا نقترض من أجل مظهر.
أن نتعامل مع الموظف باحترام، وأن يعاملنا الموظف بالاحترام نفسه.
وأن نصل في النهاية إلى مرحلة نستطيع فيها أن نقول بكل راحة:
I have nothing to prove.
ليس لدي ما أثبته لأحد.
فربما يكون أجمل ما يمكن أن نصل إليه ليس أن يرانا الناس بصورة أفضل، وإنما أن نعيش حياتنا بصورة أفضل.