حين يتحول التحذير إلى تعميم رسمي… أين يُسمع صوت الإعلام المسؤول؟
خلال وجودي هذا الأسبوع في أرض الوطن، في زيارة خاصة للأهل، لفت انتباهي التعميم الصادر عن هيئة الإعلام الأردنية بشأن نشر وتداول المعلومات المتعلقة بالقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، وما تضمنه من تأكيد على ضرورة اعتماد المصادر الرسمية في هذا الشأن.
وقد أعادني هذا التعميم إلى تحذير سبق أن نشره «العموم نيوز» بتاريخ 2026/9/6 حول الخصوصية الأمنية ومسؤولية التعامل مع المعلومات المرتبطة بالمؤسسات العسكرية والأمنية، الأمر الذي يدفعني إلى التوقف عند المسألة من زاوية وطنية وإعلامية، بعيدًا عن تسجيل الأسبقية أو البحث عن المزايا، وإنما تأكيدًا على أهمية أن تُسمع التحذيرات قبل أن تتحول إلى تعاميم رسمية.
لم يكن الحديث عن الخصوصية الأمنية يومًا ترفًا إعلاميًا، ولا محاولة لتسجيل موقف أو تحقيق سبق صحفي، بل كان ولا يزال تعبيرًا عن مسؤولية وطنية تفرضها حساسية المعلومات المرتبطة بالقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، والأجهزة الأمنية، والمؤسسات التي تضطلع بحماية الوطن وصون استقراره.
وقبل أن تتحول قضية نشر المعلومات المتعلقة بالعاملين في المؤسسات العسكرية والأمنية إلى تعميم رسمي، كان «العموم نيوز» قد نبّه إلى خطورة التعامل مع هذه التفاصيل باعتبارها أخبارًا عادية متاحة للنشر والتداول، وذلك من خلال مقال حمل عنوان: «الخصوصية الأمنية مسؤولية وطنية».
وقد انطلق التحذير من حقيقة واضحة، مفادها أن المعلومة التي تبدو بسيطة، كاسم أو رتبة أو موقع عمل أو طبيعة مهمة، قد تكتسب حساسية مختلفة عندما تُجمع مع معلومات أخرى وتُربط بها. فالخطر لا يكمن دائمًا في المعلومة منفردة، بل في الصورة التي يمكن أن تتشكل من تراكم التفاصيل وربطها وتحليلها.
واليوم، ومع صدور تعميم هيئة الإعلام بشأن نشر وتداول المعلومات المتعلقة بالقوات المسلحة الأردنية، تبرز تساؤلات مشروعة: هل نحتاج دائمًا إلى تعميم رسمي حتى ندرك خطورة بعض المعلومات؟ وهل لا تُسمع التحذيرات الإعلامية إلا بعد أن تتحول إلى تعليمات ملزمة؟
إن التذكير بما نشره «العموم نيوز» لا يأتي بحثًا عن أسبقية، ولا ادعاءً بأن التعميم الرسمي صدر نتيجة مباشرة لذلك المقال، وإنما يأتي للتأكيد على أهمية الاستماع إلى التحذيرات المبكرة، والتعامل معها بجدية قبل أن تتحول المخاطر المحتملة إلى إجراءات رسمية.
فالصحافة المسؤولة لا تنتظر وقوع الضرر حتى تتحدث عنه، ولا تقيس قيمة التحذير بحجم التفاعل الذي يحققه. إن دورها الحقيقي يتمثل في التنبيه، وطرح الأسئلة، ولفت الانتباه إلى مواطن الخلل أو الخطر، انطلاقًا من المصلحة الوطنية لا من اعتبارات السبق والانتشار.
الوطن لا تحدّه الجغرافيا
ولعل ما نشره «العموم نيوز» يجسّد حقيقة راسخة، مفادها أن المواطن الأردني يظل حريصًا على وطنه، أينما كان موقعه، وأن الانتماء لا تقيده الحدود ولا تحدّه المسافات.
فالمواطن الذي يحمل همّ بلده لا يتردد في استخدام الأدوات والوسائل المتاحة لديه للتنبيه إلى أي ممارسة أو معلومة قد تشكل خطرًا على أمن الوطن أو سلامة مؤسساته. ولا فرق في ذلك بين من يعيش داخل الأردن ومن اضطرته الظروف إلى الإقامة خارجه، فالمسؤولية الوطنية لا تُقاس بمكان الإقامة، بل بصدق الموقف ووضوح الغاية.
وحتى حين تفرض الظروف على صاحب الرسالة الإعلامية أن يصدر موقعه من الخارج، خلافًا لرغبته وتوجهاته، فإن ذلك لا ينتقص من ارتباطه بوطنه، ولا يغيّر من بوصلته الوطنية. فالمسافة الجغرافية لا تعني مسافة في الانتماء، ومكان صدور الكلمة لا يحدد مقدار صدقها أو حرص صاحبها على وطنه.
لقد اختار «العموم نيوز» أن يضع هذه القضية موضع النقاش والتنبيه، انطلاقًا من قناعة بأن التحذير المبكر فعل انتماء، وأن حماية الوطن مسؤولية لا تتوقف عند حدود المكان.
الحرية الإعلامية والمسؤولية الوطنية
إن حماية الأمن الوطني لا تعني إلغاء دور الإعلام، كما أن حرية الصحافة لا تعني إتاحة المجال لنشر كل ما يصل إلى المنصات والمواقع دون تقدير لعواقبه.
المطلوب هو تحقيق توازن واعٍ بين الحق في المعرفة وواجب حماية المعلومات الحساسة، من خلال قواعد واضحة، وتواصل مؤسسي مستمر، وثقة متبادلة بين الجهات الرسمية ووسائل الإعلام.
فالمعلومة ليست آمنة بالضرورة لمجرد أنها متاحة، وليست بسيطة دائمًا لمجرد أنها تبدو اعتيادية. وفي زمن تتداخل فيه المنصات الرقمية، وتتراكم فيه التفاصيل بسرعة، قد يتحول ما يُنشر بحسن نية إلى مادة قابلة للجمع والتحليل والاستغلال.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على الإعلام وحده، بل تشمل الجهات الرسمية والمواطنين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي. وكل طرف مطالب بإدراك أن حماية الوطن لا تكون بالشعارات وحدها، وإنما أيضًا بالانضباط في تداول المعلومات، واحترام خصوصية العاملين في المؤسسات العسكرية والأمنية، والعودة إلى المصادر الرسمية في القضايا الحساسة.
الاستماع إلى التحذير قبل فوات الأوان
لقد آن الأوان لأن تُؤخذ التحذيرات المهنية بجدية قبل أن تتحول إلى تعاميم، وأن يُفتح حوار حقيقي بين المؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام، لا يقوم على ردّ الفعل، بل على الشراكة والوقاية والاستباق.
فالإعلام الذي يحذر قبل وقوع الضرر لا ينافس الدولة، بل يمكن أن يسهم في حمايتها، والمؤسسة التي تستمع إلى التنبيهات المبكرة تعزز قدرتها على الوقاية، بدل الاكتفاء بمعالجة النتائج.
إن أمن الأردن وسلامة قواته المسلحة ومؤسساته الوطنية مسؤولية مشتركة، لا تنحصر في جهة دون أخرى، ولا تتوقف عند حدود جغرافية أو مكان إقامة.
قد يكون المكان بعيدًا، لكن الوطن ليس بعيدًا. وقد تصدر الكلمة من خارج الحدود، لكنها تظل نابعة من حرص أردني صادق على الأردن.
نحذر قبل أن نندم، ونسأل قبل أن ننشر، ونضع مصلحة الوطن وسلامة مؤسساته فوق كل اعتبار.