لندن: محمد الطّورة
أتيح لي خلال سنوات حياتي أن أزور وأتجول في معظم دول العالم، وكانت المطارات في كثير من تلك الدول أول ما يلفت انتباهي؛ أعداد هائلة من القادمين من مختلف الجنسيات، يحملون شغفاً واحداً: اكتشاف تاريخ تلك البلدان وحضاراتها ومعالمها السياحية. وكنت أتأمل كيف تحولت هذه الجموع من الزوار إلى مورد اقتصادي مهم، تستفيد منه الحكومات والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية، من خلال الفنادق والمطاعم ووسائل النقل والأسواق والخدمات وغيرها من القطاعات.
وفي كل مرة كنت أشاهد فيها هذه الحركة السياحية الكبيرة، كان سؤال يتكرر في داخلي: ماذا تملك تلك الدول ولا نملكه نحن في الأردن؟
والحقيقة التي لا تحتاج إلى كثير من البحث أن الأردن يمتلك من المقومات السياحية ما يؤهله لأن يكون في مقدمة الدول السياحية في المنطقة والعالم؛ ففيه الآثار والحضارات المتعاقبة، والمواقع الدينية، والسياحة العلاجية، والطبيعة، والصحراء، والبحر، فضلاً عن موقعه الجغرافي وتنوعه الثقافي والتاريخي.
ومن هنا جاءت فكرة هذا المقال؛ فأنا لا أكتب لأقول إن الأردن يملك مقومات سياحية فحسب، بل لأذكّر أصحاب القرار بأننا ربما نملك أكثر مما نتصور، وأن بين أيدينا ثروة وطنية حقيقية لم تستثمر بعد بالشكل الذي يليق بها.
وفي مقدمة هذه الثروات تأتي البتراء، المدينة الوردية؛ تلك التحفة الحضارية التي نحتها الأنباط في الصخر قبل آلاف السنين، وبقيت شاهدة على عظمة الإنسان في هذه الأرض. مدينة تقف اليوم بين عجائب الدنيا، ويعرف اسمها الملايين في مختلف أنحاء العالم، بينما لا يزال السؤال قائماً: هل استثمرنا هذه الشهرة العالمية بما يكفي لتصبح البتراء أحد أهم روافد الاقتصاد الأردني وخزينة الدولة؟
هذا هو السؤال الذي يستحق أن نطرحه على الحكومة، لا من باب العتاب، وإنما من باب الحرص على ثروة وطنية لا تنضب.
هناك ثروات وطنية تُستخرج من باطن الأرض فتتناقص، وثروات أخرى تزداد قيمتها كلما أحسنّا إدارتها وتسويقها. والبتراء تنتمي إلى النوع الثاني؛ فهي ثروة أردنية استثنائية لا تحتاج إلى آبار نفط ولا إلى منصات استخراج، وإنما تحتاج إلى رؤية اقتصادية وطنية تجعل من السياحة الأثرية والصناعات المرتبطة بها مورداً دائماً للخزينة وفرص العمل والتنمية المحلية.
البتراء ليست مجرد مدينة أثرية جميلة، بل موقع ذو قيمة عالمية استثنائية، أدرجته اليونسكو على قائمة التراث العالمي عام 1985، وتصفه المنظمة بأنه واحد من أغنى وأكبر المواقع الأثرية في العالم. كما أن البتراء اختيرت عام 2007 ضمن عجائب الدنيا السبع الجديدة.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه اليوم ليس: كيف نحافظ على البتراء؟ فالحفاظ عليها واجب لا نقاش فيه، وإنما السؤال الأوسع هو: كيف نحافظ عليها ونستثمر مكانتها العالمية في الوقت نفسه بما يعود بالنفع الأكبر على الأردن والأردنيين؟
الأرقام تقول إن الفرصة كبيرة. فقد استقبلت البتراء خلال عام 2025 نحو 582,550 زائراً، بزيادة 27% عن عام 2024، فيما بلغ عدد الزوار الأجانب نحو 373,752 زائراً، بارتفاع 45% عن العام السابق. وهذه الأرقام، رغم أهميتها، لا تزال دون الإمكانات التي يمكن للبتراء أن تحققها باعتبارها واحدة من أشهر الوجهات السياحية في العالم.
والأهم أن العائد الاقتصادي لا ينبغي أن يُقاس فقط بسعر تذكرة الدخول إلى الموقع. فالزائر الأجنبي الذي يأتي إلى البتراء يمكن أن ينفق على الفندق والمطعم والنقل والدليل السياحي والحرف اليدوية والتسوق والفعاليات الثقافية، ثم ينتقل إلى وادي رم والعقبة والبحر الميت وجرش ومادبا وغيرها. أي أن كل سائح يمكن أن يتحول إلى سلسلة اقتصادية كاملة تمتد آثارها من البتراء إلى مختلف محافظات المملكة.
ولذلك، فإن المطلوب من الحكومة ليس فقط زيادة أعداد الزوار، وإنما زيادة مدة إقامة السائح وحجم إنفاقه داخل الأردن.
نحتاج إلى استراتيجية وطنية للبترا
إن البتراء تستحق أن تكون لها استراتيجية اقتصادية وتسويقية خاصة، تشارك فيها وزارة السياحة والآثار، وسلطة إقليم البتراء، ووزارة الاستثمار، والقطاع الخاص، وشركات الطيران والفنادق والسياحة، بحيث تصبح البتراء محوراً رئيسياً في تسويق الأردن عالمياً.
ومن الضروري، في هذا السياق، العمل على:
أولاً: رفع عدد السياح إلى مستويات تتناسب مع شهرة البتراء العالمية، من خلال حملات تسويق دولية احترافية تستهدف الأسواق الأميركية والأوروبية والآسيوية، وعدم الاكتفاء بالترويج التقليدي.
ثانياً: زيادة مدة إقامة السائح. فالمشكلة ليست أن يأتي السائح إلى البتراء لبضع ساعات ثم يغادر، وإنما أن تتحول البتراء إلى نقطة إقامة ضمن برنامج سياحي متكامل لعدة أيام، يربطها بوادي رم والعقبة والبحر الميت ومادبا والسلط وجرش وغيرها.
ثالثاً: تطوير التجربة السياحية داخل البتراء. فالزائر المعاصر لا يبحث عن حجر أثري فقط، وإنما عن تجربة متكاملة تشمل الإرشاد الرقمي، والمسارات المتنوعة، والعروض الثقافية، والمطاعم، والحرف المحلية، والفعاليات الليلية، ومراكز الزوار الحديثة، مع الحفاظ الصارم على الطابع الأثري للموقع.
وهنا يمكن البناء على تجربة «البتراء ليلاً» وتطويرها إلى منتج سياحي عالمي، وليس مجرد فعالية محدودة؛ بحيث تكون هناك برامج ثقافية وفنية وتاريخية مدروسة تجذب السائح للبقاء ليلة إضافية في المنطقة.
رابعاً: تحويل البتراء إلى مركز للصناعات الثقافية والتراثية الأردنية.
فالحرف اليدوية، والمنتجات المحلية، والمأكولات التقليدية، والكتب، والأعمال الفنية المستوحاة من الحضارة النبطية، يمكن أن تشكل قطاعاً اقتصادياً حقيقياً إذا جرى تنظيمه وتسويقه بصورة احترافية.
خامساً: ربط الاستثمار الخاص بالمصلحة الوطنية.
المطلوب ليس إقامة مشاريع عشوائية حول البتراء، بل استقطاب استثمارات نوعية في الفنادق والمنتجعات والضيافة والنقل والتكنولوجيا والسياحة العلاجية والثقافية، ضمن مخطط يحمي المشهد العام للموقع ويحافظ على البيئة والتراث.
وهذا يتفق أصلاً مع توجهات اليونسكو التي تؤكد الحاجة إلى التنمية المستدامة وإدارة الموقع بما يحميه من ضغط الزوار، وفي الوقت نفسه يعزز الإيرادات السياحية التي تساهم في الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة.
لماذا لا تكون البتراء مشروعاً اقتصادياً وطنياً؟
إن الأردن يعاني من ضغوط مالية واقتصادية معروفة، ولذلك فإن البحث عن موارد مستدامة للخزينة يجب ألا يقتصر على الضرائب والرسوم. السياحة واحدة من القطاعات القادرة على جلب العملة الصعبة وخلق فرص العمل وتحريك قطاعات واسعة من الاقتصاد.
والدليل أن السياحة الأردنية حققت خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 2.47 مليار دينار من الإيرادات السياحية، مع استقبال المملكة نحو 3.15 مليون زائر خلال الفترة نفسها.
فإذا كانت السياحة بهذا الحجم على مستوى المملكة، فإن البتراء، باعتبارها العلامة السياحية الأردنية الأكثر شهرة عالمياً، يجب أن تكون في قلب هذه المعادلة الاقتصادية.
المطلوب من الحكومة
المطلوب اليوم تشكيل فريق وطني اقتصادي وسياحي خاص بالبترا تكون مهمته وضع خطة عشرية واضحة، بأهداف قابلة للقياس، تتضمن:
- مضاعفة أعداد الزوار تدريجياً.
- زيادة متوسط إقامة السائح في البتراء والمنطقة.
- رفع متوسط إنفاق السائح.
- جذب استثمارات سياحية نوعية.
- تطوير النقل الجوي والبري إلى البتراء.
- إطلاق حملات تسويق عالمية باسم البتراء والأردن.
- إنشاء روزنامة سنوية للفعاليات الثقافية والفنية.
- دعم المجتمع المحلي ليكون شريكاً ومستفيداً أساسياً من السياحة.
- تخصيص جزء واضح من الإيرادات لصيانة الموقع وحمايته.
- استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتطبيقات الرقمية لتطوير تجربة الزائر.
- نشر بيانات مالية واقتصادية واضحة تبين حجم الإيرادات التي تحققها البتراء وأوجه إنفاقها.
ولا بد هنا من التأكيد أن الهدف ليس تحويل البتراء إلى مدينة تجارية تفقد روحها التاريخية. العكس هو الصحيح؛ فكلما حافظنا على أصالتها وقيمتها العالمية، ارتفعت قيمتها الاقتصادية. وقد أكدت اليونسكو في قراراتها الأخيرة ضرورة تحقيق التوازن بين حماية الموقع والتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة للمنطقة.
البتراء ليست عبئاً على الدولة.. إنها أصل من أصولها
ربما آن الأوان لأن نغير طريقة تفكيرنا تجاه البتراء.
لا ينبغي أن ننظر إليها باعتبارها موقعاً أثرياً تديره الدولة وتبيع تذاكر الدخول إليه، بل باعتبارها علامة وطنية عالمية تملكها الأردن، يمكن أن تكون أحد أهم محركات الاقتصاد الوطني لعقود طويلة قادمة.
فالبترول ينضب مهما طال الزمن، أما البتراء فإن قيمتها يمكن أن تزداد مع مرور الزمن، بشرط أن نحسن إدارتها.
وإذا كانت باريس قد عرفت كيف تستثمر برج إيفل ليس بوصفه معلماً حديدياً فحسب، وإنما رمزاً سياحياً واقتصادياً وصورةً لفرنسا في العالم، وإذا كانت بريطانيا قد أحسنت توظيف ساعة بيغ بن وقصورها الملكية وقلاعها التاريخية في صناعة السياحة، وإذا كانت تركيا قد حولت إسطنبول بما تختزنه من قصور ومساجد وأسواق وآثار إلى واحدة من أهم الوجهات السياحية في العالم، وإذا كانت إيطاليا قد جعلت من الكولوسيوم وروما التاريخية ومن مدنها الفنية والتراثية مقصداً لملايين الزوار، وإسبانيا من قصورها وكنائسها ومدنها التاريخية، ومصر من الأهرامات والمعابد، ودول أخرى كثيرة من معالمها الحضارية والتراثية، مصادر هائلة للدخل وفرص العمل وتنشيط مختلف القطاعات الاقتصادية؛ فإن الأردن يمتلك ما هو مختلف وأكثر ندرة: حضارة عمرها آلاف السنين، وآثاراً شاهدة على تعاقب أعظم الحضارات، ومواقع دينية وتاريخية وطبيعية وعلاجية متجاورة في مساحة جغرافية صغيرة، وفي مقدمتها البتراء، المدينة الوردية التي نحتها الأنباط في الصخر قبل أكثر من ألفي عام، وبقيت حتى يومنا هذا اسماً يعرفه العالم كله.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: إذا كانت دول كثيرة استطاعت أن تجعل من معلم واحد أو مجموعة من المعالم مصدراً رئيسياً للدخل الوطني، فلماذا لا يستطيع الأردن أن يجعل من البتراء ومن منظومته السياحية المتكاملة رافداً أكبر لخزينة الدولة ومحركاً حقيقياً للاقتصاد الوطني؟
إن البتراء لا تحتاج إلى أن تكون مثل برج إيفل أو دبي؛ بل العالم هو الذي يأتي إلى الأردن من أجل البتراء.
وهنا تقع مسؤولية الحكومة: أن تجعل من هذا الاسم العالمي ثروة اقتصادية مستدامة، ومصدراً للعملة الصعبة، ورافداً للخزينة، ومولداً لآلاف فرص العمل، ومحركاً للتنمية في الجنوب، مع بقاء البتراء محفوظة للأجيال القادمة.
البتراء بترول الأردن الذي لا ينضب؛ لكن الثروات لا تصنع الازدهار بمجرد وجودها، وإنما بحسن إدارتها.