ثمة لحظة في حياة الإنسان لا يعود فيها يبحث عن بابٍ واسع للخروج، بل يكتفي بنافذة صغيرة يدخل منها بعض الضوء.
فالذين أثقلتهم الحياة لا يريدون خطبًا طويلة عن الصبر، ولا وعودًا جديدة بالمستقبل، ولا عبارات جاهزة تقول إن «القادم أفضل».
إنهم يريدون أن يروا شيئًا واحدًا: دليلًا على أن القادم يمكن أن يكون أفضل.
وهنا تكمن قيمة الأمل.
الأمل ليس أن نغمض أعيننا عن الواقع، وليس أن نقنع الناس بأن كل شيء على ما يرام بينما هم يرون عكس ذلك كل يوم.
الأمل الحقيقي هو أن نعترف بأن هناك مشكلة، ثم نمتلك الشجاعة للبدء في حلها.
أن نقول للشاب الذي يبحث عن فرصة: لن نطلب منك أن تنتظر إلى الأبد.
وأن نقول للموظف الذي يشعر أن جهده لا يُرى: إن الكفاءة يجب أن تجد مكانها.
وأن نقول للفقير: إن كرامتك ليست أقل من كرامة أحد.
هذه هي نوافذ الأمل التي تحتاجها المجتمعات.
فالمواطن يستطيع أن يتحمل ضيق الحال إذا شعر أن هناك عدالة، ويستطيع أن يتحمل صعوبة المرحلة إذا وثق بأن الجميع يدفعون الثمن نفسه.
ويستطيع أن يصبر على الإصلاح إذا رأى الإصلاح يتحرك أمام عينيه، لا أن يبقى شعارًا يتكرر في المناسبات.
لكن ما يقتل الأمل ليس صعوبة الحياة وحدها.
الذي يقتل الأمل هو أن يشعر الإنسان أن الأبواب لا تُفتح إلا لمن يعرف الطريق إليها، وأن بعض الفرص لا تصل إلى أصحاب الكفاءة، وأن السؤال المشروع قد يحتاج إلى أكثر من جهة، وأكثر من توقيع، وأكثر من توصية حتى يجد طريقه.
عندها لا يصبح المواطن غاضبًا فقط…
بل يصبح متعبًا.
والتعب أخطر من الغضب؛ لأن الغاضب قد يطالب، أما المتعب فقد يتوقف عن المطالبة.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
لذلك، فإن فتح نوافذ الأمل لا يحتاج دائمًا إلى قرارات ضخمة.
أحيانًا يحتاج إلى مسؤول يسمع، وموظف يحترم، ومؤسسة تجيب، وقانون يُطبّق بعدالة، وصحافة تقول الحقيقة دون خوف أو ابتزاز.
ويحتاج، قبل ذلك كله، إلى شاب يشعر أن مستقبله لا يتوقف على اسم العائلة أو قوة العلاقات.
إنها تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها تصنع الفرق بين مجتمع يشعر أفراده أنهم شركاء في وطنهم، ومجتمع يشعر فيه البعض أنهم مجرد متفرجين على حياتهم.
ولأننا نعيش زمنًا تكثر فيه الأزمات، فإن مسؤولية أصحاب القرار تصبح أكبر.
ليس المطلوب منهم أن يمنعوا كل أزمة؛ فهذا مستحيل.
لكن المطلوب ألا يسمحوا للأزمة بأن تتحول إلى حالة دائمة من اليأس.
فالناس لا تحتاج إلى مسؤول يعدها بأن السماء ستكون بلا غيوم.
تحتاج إلى مسؤول يقول لها:
سنواجه الغيوم معًا.
هناك فرق كبير بين الاثنين.
الأول وعد.
والثاني موقف.
ولعل الإعلام، في هذه المرحلة، أمام مسؤولية لا تقل أهمية.
فالصحافة ليست دفترًا لتسجيل الأخبار السعيدة فقط، كما أنها ليست منصة دائمة لتوزيع الإحباط.
وظيفتها أن ترى الجرح، وأن تشير إليه، ولكن عليها أيضًا أن تبحث عن نافذة يمكن أن يدخل منها الضوء.
أن تنقد دون أن تهدم.
وأن تكشف الخلل دون أن تفقد إيمانها بإمكانية الإصلاح.
وأن تنحاز إلى الإنسان.
فالناس العاديون الذين نمر بجانبهم كل يوم هم الحكاية الحقيقية لأي وطن.
ذلك العامل الذي يبدأ يومه قبل الجميع.
وتلك الأم التي تدير بيتها بأقل الإمكانات.
وذلك الطالب الذي يحمل حلمًا أكبر من إمكاناته.
وذلك الموظف الشريف الذي يذهب إلى عمله كل صباح ويحاول أن يؤدي واجبه كما ينبغي، رغم كل ما يحيط به.
هؤلاء لا يريدون المستحيل.
يريدون فقط أن يشعروا بأن تعبهم له معنى، وأن أبناءهم سيجدون غدًا أفضل من يومهم، وأن الوطن الذي أحبوه لم ينسهم.
لهذا، حين تُغلق الأبواب، لا يجوز أن نترك الناس أمام الجدران.
افتحوا النوافذ.
افتحوا نافذة للعدالة.
نافذة للكفاءة.
نافذة للشباب.
نافذة للفقراء.
نافذة للحقيقة.
نافذة للمحاسبة.
نافذة لكل إنسان ما زال يعتقد أن الإصلاح ممكن.
فالأوطان لا تموت عندما تواجه الأزمات.
الأوطان تبدأ بالتعب عندما تفقد قدرتها على إنتاج الأمل.
وما دام هناك إنسان يرفض أن يستسلم، ومسؤول يؤمن بأن موقعه تكليف، وصحفي يكتب بضمير، ومعلم يزرع حلمًا في عقل طفل، وشاب يواصل البحث عن فرصته رغم كل شيء…
فإن النافذة لم تُغلق بعد.
وربما لا نحتاج اليوم إلى أكثر من ذلك.
نافذة واحدة يدخل منها الضوء… تكفي لكي يعرف الناس أن العتمة ليست قدرًا.
وأن الغد، مهما بدا بعيدًا، يمكن أن يبدأ من نافذة صغيرة.
افتحوا النوافذ… قبل أن يعتاد الناس العتمة.