لندن: محمد الطّورة
استقرار الإعلام… ركيزة لاستقرار الأوطان
خلال السنوات القليلة الماضية، شهدت العديد من الدول تعديلات متلاحقة على القوانين والأنظمة التي تنظم عمل وسائل الإعلام، حتى أصبح هذا القطاع الحيوي يعيش حالة من عدم الاستقرار التشريعي والإداري. وكان من المفترض أن تسهم هذه التعديلات في مواكبة التطورات المهنية والتقنية، وأن تهيئ بيئة أكثر استقرارًا وجاذبية للاستثمار، إلا أن كثرتها وغياب الرؤية الواضحة في بعض التجارب أدّيا إلى نتائج عكسية، تمثلت في تراجع الاستثمار الإعلامي وإحجام المستثمرين عن الدخول إلى هذا القطاع أو التوسع فيه.
ولم تقتصر الخسائر على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى إضعاف أحد أهم أدوات القوة الناعمة للدولة. فالإعلام ليس مجرد صناعة أو مشروع استثماري، بل هو نافذة الوطن إلى العالم، وصوته الذي يدافع عن قضاياه، ويبرز إنجازاته، وينقل رسالته إلى الداخل والخارج. وعندما يفقد هذا القطاع استقراره، تخسر الدولة شريكًا استراتيجيًا في معركة الوعي وبناء الصورة الذهنية وتعزيز الثقة.
ومن وجهة نظري، فإن هذا الواقع لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تداخل مصالح عدة أطراف. فقد سعت بعض المؤسسات الإعلامية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى تكريس واقع احتكاري يمنع دخول منافسين جدد إلى السوق، مستفيدة من علاقات بعض مالكيها أو ناشريها بمراكز النفوذ وصنع القرار، بما يضمن بقاء المشهد الإعلامي محصورًا في دائرة ضيقة تخدم مصالحها الخاصة.
كما أسهم وجود أشخاص في مواقع تنظيمية أو تنفيذية داخل بعض الجهات الرسمية المعنية بالإعلام، ممن تجمعهم توجهات أو مصالح متقاربة، في الدفع نحو إصدار تعليمات وتشريعات حدّت من المنافسة، وأبقت سلطة اتخاذ القرار في أيدي عدد محدود من الجهات، الأمر الذي انعكس سلبًا على تطور القطاع وحيويته وقدرته على جذب الاستثمارات.
أما الجانب الأكثر خطورة، فيتمثل في تدخل بعض الجهات الرسمية في إدارة الشأن الإعلامي من خلال فرض إجراءات أو تصنيفات لا تستند دائمًا إلى معايير مهنية أو موضوعية، وإنما تتأثر أحيانًا باعتبارات إدارية أو شخصية أو سياسية. وعندما يصبح الإعلام خاضعًا لمثل هذه الاعتبارات، فإنه يفقد جزءًا من استقلاليته، وتتراجع قدرته على أداء رسالته في نقل الحقيقة، وتعزيز الشفافية، والمساهمة في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
لقد أثبت التاريخ أن كثيرًا من الدول التي تعاملت مع وسائل الإعلام بمنطق التضييق أو الاحتواء، ونظرت إليه باعتباره مصدرًا للإزعاج لا شريكًا في البناء، قد أخطأت البوصلة. فالإعلام المهني والمسؤول لا يهدد استقرار الدول، بل يعزز هذا الاستقرار من خلال كشف الخلل، ومواجهة الشائعات، والدفاع عن الوطن، وتسليط الضوء على الإنجازات. أما إضعافه أو تهميشه، فلا يؤدي إلا إلى إفساح المجال أمام الأصوات غير المهنية، وإضعاف الثقة، وخسارة واحدة من أهم أدوات القوة الناعمة للدولة.
إن الدول الواثقة من مؤسساتها لا تخشى الإعلام، بل توفر له البيئة التشريعية المستقرة التي تمكنه من أداء رسالته بحرية ومسؤولية، لأن الإعلام الحر والمسؤول يمثل خط الدفاع الأول عن الوطن، وليس خصمًا له.
ختامًا، فإننا نأمل أن يحظى هذا الملف باهتمام رأس الدولة، وأن يوجّه الحكومة إلى إعادة النظر في آليات إدارة القطاع الإعلامي، ووضع حد لأي تدخلات أو ممارسات أربكت مسيرته وأضعفت استقراره. كما نأمل رفع يد الجهات التي تتعامل مع هذا القطاع بمنطق الهيمنة أو المصالح الضيقة، وترك المجال أمام الإعلام ليؤدي رسالته الوطنية في إطار القانون والمسؤولية المهنية، بعيدًا عن الاعتبارات الشخصية أو النفوذ أو الاحتكار.
إن حماية الإعلام ليست دفاعًا عن المؤسسات الإعلامية وحدها، بل هي دفاع عن الوطن نفسه. فكلما كان الإعلام مستقلًا، ومستقرًا، ومهنيًا، كان أكثر قدرة على خدمة الدولة، والدفاع عن مصالحها، وإبراز إنجازاتها، وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسساته. ومن هنا، فإن استقرار الإعلام يجب أن يُنظر إليه باعتباره مصلحة وطنية عليا، لأنه في نهاية المطاف، لا استقرار حقيقي للأوطان دون إعلام حر ومسؤول وشريك في صناعة المستقبل.

