لندن: محمد الطّورة
ليست الدول القوية هي تلك التي تُحسن اختيار قياداتها الجديدة فحسب، بل تلك التي تعرف كيف تحافظ على خبراتها المتراكمة وتستثمرها بعد انتهاء المسؤوليات الرسمية. فالمناصب بطبيعتها تكليف مؤقت، أما الخبرة فهي رأس مال وطني يتراكم عبر السنوات، ويزداد قيمة كلما اقترن بالحكمة والتجربة والعلاقات التي تُبنى في ميادين العمل العام.
ولأن الإنصاف يقتضي أن تُكتب الشهادات من واقع المعرفة لا من الانطباع، فإنني أكتب هذه السطور مستندًا إلى تجربة مهنية أعتز بها. فقد تشرفت بالخدمة في سفارتي المملكة الأردنية الهاشمية في لندن وواشنطن خلال الفترة التي تولى فيها معالي عبدالإله الخطيب ومعالي ناصر جودة حقيبة وزارة الخارجية. وقد أتاح لي ذلك أن أعايش عن قرب أسلوبهما في إدارة الدبلوماسية الأردنية، وأن ألمس حجم الاحترام الذي كان يحظى به الأردن في المحافل الدولية، والمكانة التي تمتع بها وزيرا الخارجية آنذاك لدى صناع القرار في العالم.
ومن هنا، فإن ما أكتبه اليوم ليس دعوة إلى إعادة مسؤولين إلى مواقعهم، ولا هو مجرد إشادة بشخصيتين وطنيتين، وإنما هو دعوة إلى ترسيخ ثقافة مؤسسية تقوم على استثمار الخبرات الوطنية، لأن الأوطان التي تحسن استثمار خبرات أبنائها هي الأقدر على صناعة مستقبلها.
في عمر الدول، لا تُقاس قوة المؤسسات بعدد المناصب التي تُستحدث، وإنما بقدرتها على المحافظة على خبراتها الوطنية واستثمارها في الوقت والمكان المناسب. فالمناصب بطبيعتها تكليف مؤقت، تبدأ في يوم وتنتهي في آخر، أما الخبرة فهي تراكم سنوات طويلة من العمل والعلاقات والإنجازات، وهي ثروة وطنية لا يجوز أن تُهدر بانتهاء التكليف.
ومن هذا المنطلق، أكتب اليوم عن اثنين من رجالات الدولة الأردنية الذين حملا مسؤولية السياسة الخارجية في مراحل كانت من أكثر المراحل حساسية في تاريخ المنطقة، وهما معالي وزير الخارجية الأسبق عبدالإله الخطيب ومعالي وزير الخارجية الأسبق ناصر جودة.
لقد تولى الرجلان مسؤولية وزارة الخارجية في ظروف استثنائية، شهدت حروبًا وأزمات وتحولات إقليمية ودولية متسارعة، وكانا في قلب الأحداث، مدافعين عن مواقف الأردن وثوابته، وناقلين رسالة الدولة الأردنية إلى العالم بكل كفاءة واقتدار. وقد اكتسبا خلال سنوات عملهما خبرة سياسية ودبلوماسية واسعة، وأقاما شبكة علاقات دولية رفيعة، جعلتهما من أكثر الشخصيات الأردنية احترامًا في الأوساط السياسية والدبلوماسية العالمية.
وأود أن أوضح، حتى لا يُفهم حديثي على غير مقصده، أنني لا أطالب بإعادة الأشخاص إلى المناصب، ولا أدعو إلى بقاء المسؤول في موقعه إلى ما لا نهاية. فتداول المسؤولية سنة إدارية وسياسية سليمة، وتجديد القيادات ضرورة لاستمرار المؤسسات، ولا خلاف على ذلك.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تنتهي مهام رجل الدولة بانتهاء منصبه؟ وهل تتوقف الاستفادة من خبرته بمجرد مغادرته مكتبه؟
هذا هو موضع العتب الذي أسجله بكل احترام على أصحاب القرار؛ ليس لأن الرجلين غادرا منصبيهما، فهذا أمر طبيعي، وإنما لأن الأردن لم يستثمر، بالقدر الذي يستحق، خبرة سياسية ودبلوماسية راكمها اثنان من أبرز رجالاته.
وللإنصاف، لا بد من الإشارة إلى أن معالي عبدالإله الخطيب لم يبتعد تمامًا عن العمل العام بعد مغادرته وزارة الخارجية، إذ اختارته الأمم المتحدة مبعوثًا خاصًا إلى ليبيا خلال مرحلة دقيقة من تاريخها، وهو تكليف دولي يعكس المكانة التي يحظى بها، والثقة التي نالها على المستوى الدولي. غير أن هذه المهمة كانت مؤقتة وفي إطار عمل أممي، ولا تنتقص من أهمية أن يبقى الأردن هو المستفيد الأول من خبراته وعلاقاته الواسعة.
أما معالي ناصر جودة، فقد ظل يمثل مدرسة دبلوماسية راقية، بما يمتلكه من تجربة طويلة وعلاقات ممتدة مع قادة وصناع قرار في مختلف أنحاء العالم، وهي خبرة لا تزال تمثل قيمة وطنية كبيرة يمكن توظيفها لخدمة المصالح الأردنية.
إن الدول التي تحسن إدارة مواردها البشرية لا تعتبر نهاية المنصب نهاية للعطاء، بل بداية لدور جديد أكثر نضجًا وأقل ارتباطًا بالمسؤوليات التنفيذية. ولذلك نجد أن كثيرًا من الدول المتقدمة تحرص على إبقاء رجالاتها أصحاب الخبرة قريبين من دوائر صناعة القرار، أو توكل إليهم مهام خاصة، أو تستفيد منهم كمبعوثين ومستشارين، أو توظف علاقاتهم الدولية لخدمة مصالح الدولة.
وليس علينا أن نذهب بعيدًا. ففي المملكة المتحدة، ظل رئيس الوزراء الأسبق توني بلير يؤدي أدوارًا دولية في ملفات السلام والإصلاح والحوكمة بعد مغادرته رئاسة الحكومة، مستفيدًا من خبرته وشبكة علاقاته الدولية. وفي جمهورية مصر العربية، اعتادت الدولة الاستفادة من عدد من وزراء الخارجية السابقين والسفراء المخضرمين في المجالس الاستشارية والوفود الخاصة والحوارات الاستراتيجية، إدراكًا منها أن الخبرة الدبلوماسية لا تُكتسب بسهولة ولا يجوز التفريط بها. كما أن سنغافورة تستفيد من كبار مسؤوليها السابقين كمستشارين للدولة، بينما تواصل الولايات المتحدة الأمريكية الاستفادة من عدد من وزراء الخارجية السابقين في الوساطات الدولية ومراكز الفكر واللجان الاستراتيجية.
هذه النماذج تؤكد أن الدول الناجحة لا تحتفظ بخبراتها من باب التكريم فقط، بل لأنها تدرك أن الخبرة الوطنية أحد عناصر القوة، وأن العلاقات التي يبنيها رجال الدولة عبر عقود لا ينبغي أن تتوقف بمجرد انتهاء المنصب.
ومن هنا، فإن حديثي عن معالي عبدالإله الخطيب ومعالي ناصر جودة ليس حديثًا عن شخصين بعينهما، بقدر ما هو حديث عن فكرة وطنية تستحق أن تتحول إلى نهج مؤسسي؛ يقوم على الاستفادة من خبرات رجالات الدولة الأردنية بعد انتهاء مسؤولياتهم التنفيذية، سواء في العمل الاستشاري، أو الدبلوماسية الهادئة، أو تمثيل الأردن في المحافل الدولية، أو تدريب وتأهيل الأجيال الجديدة من الدبلوماسيين.
لقد أثبت الأردن عبر تاريخه أنه غني بالكفاءات والرجال الذين خدموا وطنهم بإخلاص، وأخلص الوفاء لهم لا يكون بالاحتفاء بأسمائهم أو استذكار إنجازاتهم فحسب، وإنما بإبقاء خبراتهم في خدمة الوطن كلما دعت الحاجة.
إن الدول العظيمة لا تُبنى بالتجديد وحده، ولا بالخبرة وحدها، وإنما بالموازنة بين الاثنين. فالقيادات الجديدة تمنح المؤسسات روحًا متجددة، أما الخبرات المتراكمة فتمنحها الحكمة والرؤية والقدرة على التعامل مع الأزمات.
قد يترك المسؤول منصبه، لكن لا ينبغي أن تترك الدولة خبرته. فالأردن الذي أنجب رجال دولة بحجم عبدالإله الخطيب وناصر جودة، هو الأحق بأن يستثمر ما راكموه من معرفة وعلاقات وتجارب في خدمة الوطن، لأن الخبرة الوطنية ليست ملكًا لأصحابها، بل هي رصيدٌ استراتيجي للدولة بأكملها.

