قرار رئيس الوزراء الأردني الدكتور جعفر حسان بإقالة وزير العمل د. خالد البكار جاء ليؤكد أن الحكومة تتعامل بجدية مع أي شبهة قد تمس النزاهة أو تتعارض مع مدونة السلوك الوزارية. فالقرار، الذي جاء على خلفية ما أُعلن عنه من تضارب للمصالح، حمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن الحفاظ على ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة يتقدم على بقاء أي مسؤول في موقعه.
غير أن أهمية القرار لا ينبغي أن تحجب سؤالاً أكثر أهمية: هل تنتهي القضية عند الإقالة، أم أن الإقالة تمثل بداية لمسار قانوني ورقابي يجب أن يستكمل حتى نهايته؟
في الدول التي تقوم على سيادة القانون، لا تُعد الإقالة عقوبة مكتملة، وإنما إجراء سياسي وإداري يهدف إلى حماية المؤسسة العامة، بينما تبقى المحاسبة القانونية من اختصاص الجهات الرقابية والقضائية التي تتولى التحقق من الوقائع، وتحديد ما إذا كانت هناك مخالفات تستوجب المساءلة.
وفي قضية وزير العمل، لم يعد الحديث مقتصراً على ملف تضارب المصالح الذي أُعلن عنه رسمياً، بل تتداول أوساط سياسية وإعلامية معلومات عن منح تصاريح عمل لأشخاص تربطهم صلات بالوزير المقال. وهذه المعلومات، مهما بلغ حجم تداولها، تبقى في إطار ما يُثار حتى تثبتها أو تنفيها الجهات المختصة، وهو ما يجعل فتح تحقيق شفاف ومستقل أمراً ضرورياً لحسم الجدل، حمايةً لسمعة مؤسسات الدولة، وصوناً لحقوق جميع الأطراف.
فإذا كانت تلك الادعاءات غير صحيحة، فإن إعلان نتائج التحقيق للرأي العام سيضع حداً للشائعات ويعيد الاعتبار لكل من لم تثبت بحقه مخالفة. أما إذا ثبت وجود تجاوزات، فإن تطبيق القانون دون استثناء هو الضمانة الحقيقية لترسيخ الثقة بمؤسسات الدولة.
إن الفرق بين المسؤولية السياسية والمسؤولية القانونية يجب أن يبقى واضحاً. فالمسؤولية السياسية قد تنتهي بخروج الوزير من الحكومة، أما المسؤولية القانونية فلا تبدأ ولا تنتهي إلا بنتائج التحقيقات وما تقرره الجهات المختصة. ولهذا فإن الإقالة لا ينبغي أن تكون بديلاً عن المحاسبة، بل مدخلاً إليها.
الأردن، بقيادة الملك الأردني عبد الله الثاني، يمضي في مشروع متكامل لتحديث الدولة وترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية والنزاهة. ولا يكتمل هذا المشروع إلا عندما يشعر المواطن بأن كل مسؤول، مهما كان موقعه، يخضع للقانون ذاته، وأن المال العام والوظيفة العامة خط أحمر لا تسمح الدولة بتجاوزه..غير أن البعض من “كبار المسؤولين” ربما غير قادرين على قراءة ما بذهن الملك الأردني ؛أو فهموا المسار الذهني السياسي للملك لكنهم إبتعدوا عن المسار لمقاصد تبدو مصلحية وغير مرتبطة بالصالح العام للدولة .
لقد أصبح المواطن الأردني أكثر وعياً، ولم يعد يكتفي بسماع خبر إقالة مسؤول، بل ينتظر أن يعرف ماذا جرى بعد الإقالة، وهل فُتح تحقيق؟ وهل ظهرت نتائجه؟ وهل تمت مساءلة كل من تثبت مسؤوليته؟ فالثقة لا تُبنى بالقرارات السريعة وحدها، وإنما بالشفافية الكاملة وإعلان الحقائق.
إن إقالة وزير العمل يجب أن تُقرأ باعتبارها خطوة أولى في مسار لا يكتمل إلا بالمحاسبة. فإذا أثبتت التحقيقات وجود مخالفات، فالعقوبة يجب أن تكون بحجم التجاوز. وإذا أثبتت عدم وجودها، فإن إعلان ذلك للرأي العام لا يقل أهمية عن قرار الإقالة نفسه. فالدولة القوية ليست تلك التي تُقيل المسؤولين فحسب، بل التي تجعل القانون الكلمة الأخيرة في كل قضية، بعيداً عن المجاملة، وبعيداً عن التشهير، وبما يحفظ العدالة وسيادة القانون.

