لندن: محمد الطّورة
بين الشعارات التي تُرفع والمواقف التي تُمارس، تظهر حقيقة لا يمكن إخفاؤها طويلاً، فالمصداقية تُقاس بالأفعال لا بالكلمات، والتناقض يبقى أوضح من أي محاولة لتبريره.
يُقال إن المصداقية هي رأس مال أي مؤسسة إعلامية، وإن الكلمة التي تُكتب يجب أن تكون انعكاساً للقيم التي يرفعها صاحبها لا مجرد شعارات تُستخدم عند الحاجة. لكن المتابع لبعض المواقع الإخبارية يلاحظ وجود تناقض واضح بين ما تقوله وما تمارسه على أرض الواقع.
فهذه المواقع لا تتردد في تقديم نفسها بوصفها المدافع الشرس عن الدولة ومؤسساتها، وتُكثر من توجيه الاتهامات لمواقع ووسائل إعلام أخرى، متهمةً إياها بالإساءة إلى البلد أو محاولة تشويه صورته. وتستخدم في ذلك لغة حادة وخطاباً مليئاً بالتخوين والتشكيك في النوايا. وفي خضم هذا المشهد، تتصاعد تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت بعض هذه المواقف تُطرح بدافع الحرص الحقيقي على الوطن أم أنها محاولة للتموضع وكسب النفوذ وتحقيق مكاسب أو مناصب جديدة. والمفارقة أن من تُوجَّه إليهم مثل هذه الاتهامات هم في الأصل من أبناء المؤسسة الإعلامية الوطنية، وبعضهم تقلد في مراحل سابقة أعلى المواقع في الإعلام الرسمي وكان على قدر المسؤولية والثقة التي مُنحت له، الأمر الذي يجعل من الإنصاف تقييم المواقف استناداً إلى الوقائع لا إلى الاتهامات الجاهزة.
غير أن المفارقة تكمن في أن بعض هذه المواقع نفسها تمارس ما تنتقده لدى الآخرين. فبينما تدّعي الدفاع عن الدولة، نجدها تنشر مقالات وتقارير تحمل انتقادات لاذعة للحكومة وقراراتها، وأحياناً تتجاوز حدود النقد الموضوعي إلى أساليب لا تختلف كثيراً عما كانت تهاجمه وتستنكره لدى غيرها.
النقد حق مشروع، بل إنه ضرورة لأي مجتمع يسعى إلى التطور والإصلاح، لكن المشكلة ليست في النقد بحد ذاته، وإنما في ازدواجية المعايير. فمن غير المقبول أن يكون الفعل مباحاً عندما يصدر من جهة معينة، ومرفوضاً عندما يصدر من جهة أخرى. كما أن المصداقية الإعلامية لا تُبنى على إطلاق الاتهامات، وإنما على الالتزام بمعايير مهنية واحدة تطبق على الجميع دون استثناء.
إن الجمهور اليوم أكثر وعياً وقدرة على التمييز بين المواقف المبدئية والمواقف المتقلبة التي تتغير وفق المصالح والظروف. ولذلك فإن أي مؤسسة إعلامية تريد الحفاظ على ثقة الناس مطالبة بأن تكون أفعالها منسجمة مع أقوالها، وأن تبتعد عن التناقض الذي يفقدها احترام المتابعين.
وفي النهاية، فإن قوة الإعلام لا تُقاس بحدة الخطاب ولا بكثرة الاتهامات، بل بقدرته على قول الحقيقة والالتزام بالمهنية والموضوعية. أما التناقض بين الشعارات والممارسات، فهو كفيل بأن يكشف نفسه بنفسه مهما طال الزمن.

