لم تبدأ الحملات الانتخابية الرسمية بعد، لكن الحراك المتعلق بانتخابات رئاسة بلدية إربد الكبرى بدأ مبكراً. ففي المجالس العامة، واللقاءات، ووسائل التواصل الاجتماعي، تتردد أسماء عديدة يُعتقد أنها تدرس خوض المنافسة، فيما حسم أحد الأحزاب السياسية /حزب الأمة ..جبهة العمل الإسلامي سابقا/ خياره مبكراً بإعلان مرشحه وشرع في الترويج له، في خطوة تعكس إدراكاً لأهمية كسب الوقت وحجز مساحة في المشهد الانتخابي قبل الآخرين.
هذا الحراك طبيعي في مدينة بحجم إربد، لكن ما يلفت الانتباه أن النقاش لا يزال يدور حول الأشخاص أكثر مما يدور حول المشاريع. فكل يوم يطرح اسم جديد، وتدور التحليلات حول فرص هذا المرشح أو ذاك، بينما يغيب السؤال الأهم: ماذا يحمل كل من يطمح إلى رئاسة البلدية من رؤية حقيقية لمستقبل المدينة؟
إربد ليست بلدية عادية، بل مدينة تمثل مركزاً سكانياً وتعليمياً واقتصادياً مهماً، وتواجه تحديات متراكمة لا يمكن اختزالها في خدمات يومية أو حلول مؤقتة. فالمدينة بحاجة إلى رؤية تنموية متكاملة تعيد تنظيم الحركة المرورية، وتطور البنية التحتية، وتوسع المساحات الخضراء، وتستثمر في التحول الرقمي، وتستقطب المشاريع الاستثمارية التي توفر فرص عمل وتنعش الاقتصاد المحلي.
ومع ذلك، لا يزال الحديث العام يركز على الأسماء، والخلفيات الاجتماعية، والقدرة على حشد الأصوات، وكأن النجاح في الانتخابات هو الغاية، بينما يفترض أن يكون مجرد بداية لمسؤولية كبيرة تجاه مدينة يزيد عدد سكانها على مئات الآلاف.
المؤسف أن التجارب السابقة علمتنا أن تغيير الأشخاص لا يعني بالضرورة تغيير الأداء. فقد تعاقبت مجالس ورؤساء، لكن كثيراً من الملفات بقيت تراوح مكانها، لأن المشكلة لم تكن في الأشخاص وحدهم، بل في غياب التخطيط بعيد المدى، وفي الاكتفاء بإدارة الواقع بدلاً من السعي إلى تغييره.
ومن حق أبناء إربد أن يطالبوا منذ الآن بأن تكون المنافسة المقبلة مختلفة. فمن حقهم أن يسمعوا برامج واضحة لا شعارات عامة، وأن يطلعوا على خطط قابلة للقياس والتنفيذ، تتضمن أولويات محددة، وجداول زمنية، ومصادر تمويل، وآليات للمساءلة. فإدارة مدينة بحجم إربد لم تعد تعتمد على الاجتهاد الشخصي أو حسن النية، بل على الكفاءة، والخبرة، والعمل المؤسسي.
كما أن المرحلة المقبلة تفرض على أي مرشح أن يقدم تصوراً حقيقياً لتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، والاستفادة من موقع إربد كمدينة جامعية، وتحويل هذا الامتياز إلى قوة اقتصادية وسياحية وثقافية، بدلاً من الاكتفاء بإدارة الملفات الخدمية التقليدية.
إن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على الاسم الأكثر تداولاً، ولا على الحضور الاجتماعي أو السياسي، وإنما على القدرة على تقديم مشروع مدينة. فإربد تستحق أن تكون نموذجاً للإدارة المحلية الحديثة، لا أن تبقى أسيرة الحلول المؤقتة وردود الفعل.
وإذا كان من المبكر الحديث عن نتائج الانتخابات، فليس من المبكر أبداً أن يبدأ النقاش الجاد حول مستقبل المدينة. فالمعركة الحقيقية ليست بين الأشخاص، بل بين الأفكار؛ بين من يرى البلدية دائرة خدمات، ومن يؤمن بأنها مؤسسة تنموية قادرة على قيادة التغيير.
إن أبناء إربد لا ينتظرون رئيساً جديداً بقدر ما ينتظرون مرحلة جديدة. مرحلة يكون فيها البرنامج هو عنوان المنافسة، والكفاءة هي معيار الاختيار، والإنجاز هو المقياس الوحيد للنجاح. وعندها فقط، لن يكون الفائز شخصاً بعينه، بل ستكون إربد هي الرابح الأكبر.

