العدالة لا تكتمل بمحاسبة الضعيف، بل بتطبيق القانون على الجميع بالمعيار نفسه.
تناقلت وسائل الإعلام مؤخرًا خبر التحقيق مع متسول وُصف بأنه يمتلك ثروة كبيرة، بعد الكشف عن امتلاكه سيارات فارهة وعقارات وأرصدة مالية. وقد استغرب كثيرون كيف يمكن لشخص يعيش على التسول أن يراكم كل هذه الممتلكات.
ولا شك أن فتح تحقيق في مثل هذه الحالة هو إجراء صحيح وواجب قانوني، لأن أي ثروة تحيط بها علامات استفهام تستحق أن تُعرف مصادرها، بصرف النظر عن هوية صاحبها أو صفته الاجتماعية. فسيادة القانون تبدأ من هنا.
لكن هذا الخبر، على أهميته، يثير سؤالًا أكبر لا يتعلق بالمتسول وحده، وإنما بمنظومة العدالة والرقابة بأكملها.
إذا كانت الدولة تمتلك الأدوات والخبرات التي تمكنها من تتبع ثروة متسول وكشف مصادرها، أفلا تمتلك الأدوات نفسها للتحقق من الثروات التي تظهر لدى بعض شاغلي الوظائف العامة، رغم أن رواتبهم المعلنة لا تبدو كافية لتفسير ما يملكونه من قصور، وعقارات، وسيارات فارهة، واستثمارات ضخمة؟
هذا المقال ليس دفاعًا عن المتسول، ولا اعتراضًا على التحقيق معه، بل على العكس تمامًا؛ فالتحقيق في أي ثروة مجهولة المصدر هو تطبيق سليم للقانون. لكن العدالة الحقيقية لا تتجزأ، ولا تكتمل إذا توقفت عند الحلقة الأضعف، بل تكتمل عندما تمتد إلى الجميع، دون استثناء، ودون أن يكون للمنصب أو النفوذ أو المكانة أي تأثير على سير القانون.
ولا بد من التأكيد على حقيقة مهمة، وهي أن الغنى في ذاته ليس تهمة، بل هو نعمة إذا جاء من طريق مشروع. فهناك من كوّن ثروته من التجارة، أو الاستثمار، أو الإرث، أو سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، وهؤلاء لا يجوز التشكيك في ذممهم لمجرد أنهم أغنياء.
لكن الأمر يختلف عندما يتعلق بمن يشغل وظيفة عامة، ويتقاضى راتبًا معروفًا من المال العام، ثم تظهر عليه خلال سنوات قليلة مظاهر ثراء يعجز الراتب وحده عن تفسيرها. هنا لا يكون السؤال تعديًا على الخصوصية، ولا حسدًا، ولا إساءة، بل يصبح سؤالًا مشروعًا تفرضه المسؤولية العامة، ويستحق إجابة شفافة تطمئن المجتمع.
إن آلاف الموظفين الذين يتقاضون رواتب متقاربة يعرفون جيدًا مقدار ما يستطيع الراتب أن يحققه. كثير منهم يكافح حتى نهاية الشهر، ويضطر إلى الاستدانة لتلبية احتياجات أسرته، بينما يرى في المقابل من يشغل وظائف مماثلة وقد تبدلت أحواله بصورة لافتة، فأصبح يمتلك ما لا ينسجم ظاهريًا مع دخله المعلن. وهنا تبدأ الأسئلة التي لا ينبغي أن تُقابل بالغضب، بل بالشفافية.
فالوظيفة العامة ليست وسيلة لتكوين الثروات، وإنما مسؤولية لخدمة الناس، وإدارة المال العام بأمانة ونزاهة. وكل من يقبل تولي هذه المسؤولية يجب أن يقبل أيضًا بأن تكون ذمته المالية محل رقابة متى وجدت أسباب موضوعية تدعو إلى ذلك، لأن المنصب العام يفرض مسؤولية أكبر، لا امتيازات أكبر.
إن أخطر ما يضعف ثقة المواطن بمؤسسات دولته ليس وجود الفساد وحده، بل الشعور بأن القانون يطبق بحزم على الضعفاء، بينما يتردد في الاقتراب من أصحاب النفوذ. فالعدالة لا تُقاس بعدد القضايا التي تُفتح، وإنما بالمساواة في تطبيق القانون، وبأن يشعر الجميع أن لا أحد فوق المساءلة.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس حملات إعلامية مؤقتة، ولا شعارات تُرفع ثم تُنسى، بل منظومة مؤسسية راسخة تقوم على الشفافية، وإقرارات الذمة المالية، والرقابة المستقلة، والتحقيق المهني في أي تضخم غير مبرر في الثروة، مع احترام قرينة البراءة، وإعلان نتائج التحقيقات عندما تثبت المخالفات، واسترداد كل مال عام أُخذ بغير حق.
فالنزيه لن يخشى الشفافية، بل سيكون أول المطالبين بها، لأنها تحمي سمعته وتبرئ ذمته، بينما يخشاها فقط من يدرك أن ما يملكه لا يستطيع أن يفسره أمام القانون.
إن المال العام ليس ملكًا لحكومة، ولا لمسؤول، ولا لموظف، بل هو ملك للمجتمع كله. هو مال المدارس، والمستشفيات، والطرق، والجامعات، والخدمات، وفرص العمل. وكل اعتداء عليه هو اعتداء على مستقبل الأجيال، قبل أن يكون اعتداء على خزينة الدولة.
إن الناس لا يطالبون بالتوقف عن التحقيق مع المتسول، بل يطالبون بأن يمتلك القانون الجرأة نفسها، والحياد نفسه، في مساءلة كل من تظهر عليه ثروة لا يفسرها دخله المشروع، وبخاصة إذا كان يتولى وظيفة عامة أو يدير مالًا عامًا.
فإذا نجحت الدولة في كشف ثروة متسول، فهذا دليل على أن أدوات الكشف موجودة، وأن القانون قادر على الوصول إلى الحقيقة. وما ينتظره المواطن اليوم هو أن تُستخدم الأدوات نفسها، والجرأة نفسها، والحياد نفسه، مع كل من تثور حول ثروته تساؤلات مشروعة، دون انتقائية أو استثناء.
فالدول لا تُبنى بالخطب، وإنما تُبنى عندما يثق المواطن بأن القانون لا يعرف اسمًا، ولا منصبًا، ولا نفوذًا، وإنما يعرف حقًا واحدًا هو العدالة.
ويبقى السؤال الذي ينتظر المواطن أن يرى إجابته في الواقع لا في الشعارات:
إذا انكشف المتسول… فمن يكشف الثروات التي لا تصنعها الرواتب؟

