لم يعد السؤال: كيف وقعت الجريمة؟
بل: كيف وصلنا إلى هذه اللحظة التي يصبح فيها الأب—رمز الحماية الأولى—مصدر الخطر الأشد؟
حين يقتل أبٌ أبناءه، نحن لا نقف أمام جريمة فقط، بل أمام مرآة قاسية تعكس اختلالاً عميقاً في بنية المجتمع. هذه ليست لحظة غضب عابرة، ولا انفعالاً طارئاً… بل نتيجة تراكمات طويلة، صامتة، ومهملة.
الأردن الذي كان… لم يكن جنةً خالية من الألم.
عرف الفقر، وضاقت به سبل العيش، وتناوبت عليه أزمات قاسية. لكن، رغم كل ذلك، ظلّ المجتمع متماسكاً، دافئاً، متسانداً. كانت العائلة شبكة أمان، وكان الجار سنداً، وكان “العيب” وازعاً أخلاقياً يردع قبل أن يتدخل القانون.
اليوم… يبدو أن شيئاً ما قد انكسر.
ليس الفقر جديداً… لكنه لم يعد كما كان.
وليس الضغط جديداً… لكنه بات بلا مخارج.
وليس الخوف جديداً… لكنه أصبح يسكن داخل الإنسان، لا خارجه فقط.
في قلب هذا التحول، تتسلل المخدرات… لا كظاهرة هامشية، بل كعامل تفكيك بطيء، يضرب الوعي قبل أن يضرب السلوك.
هي لا تدمّر الفرد فقط، بل تعيد تشكيله: إدراكاً، وانفعالاً، وقراراً.
تجعل العنف أقرب، والاندفاع أسرع، والكارثة أسهل.
لكن الخطأ أن نتوقف عند “المتعاطي” أو “البائع الصغير”.
فهؤلاء—على خطورتهم—ليسوا إلا الواجهة.
المشكلة الحقيقية تكمن في الشبكات الأكبر، في التاجر الذي لا يظهر، الذي يهرّب بالجملة، ويوزّع بالتجزئة، ويصنع اقتصاداً خفياً قائماً على إضعاف المجتمع.
هنا… يجب أن يتغير السؤال:
هل نواجه النتائج… أم نذهب إلى الجذور؟
مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بحملات موسمية، ولا بخطاب إعلامي عابر، بل بمنظومة متكاملة تقرأ الخطر بحجمه الحقيقي:
أمنياً: ملاحقة الشبكات الكبرى، وضرب خطوط التهريب، وتجفيف منابع التمويل، بدلاً من الاكتفاء بالحلقات الأضعف.
تشريعياً: تشديد العقوبات على منظمي الشبكات ومموليها، لا فقط منفذيها.
اجتماعياً: إعادة بناء الوعي، وتعزيز دور الأسرة والمدرسة كخط دفاع أول.
صحياً ونفسياً: التعامل مع الإدمان كمرض يحتاج علاجاً، لا وصمة تدفع إلى مزيد من الانهيار.
إعلامياً: كسر الصمت، ووضع الظاهرة في سياقها الحقيقي، لا التعامل معها كحوادث فردية معزولة.
الجريمة التي بين أيدينا ليست معزولة.
هي صرخة داخل بيت… لكنها صدى لخلل خارج البيت أيضاً.
أن نحمّل الفقر وحده المسؤولية، تبسيط مخل.
وأن نعلّق كل شيء على شماعة المخدرات، هروب من مواجهة أعمق.
الحقيقة أن هناك فراغاً يتسع: في المعنى، في الأمان، في القدرة على الاحتمال.
وحين يضيق الإنسان بكل ذلك… قد ينفجر في الاتجاه الخطأ.
الأردن اليوم لا يفتقد القوانين، ولا المؤسسات، ولا الوعي الكامل بخطورة ما يحدث.
لكنه يحتاج إلى ما هو أبعد:
إلى قراءة شجاعة، لا تجميل فيها…
وإلى قرار حاسم، لا يكتفي بإدارة الأزمة، بل يذهب إلى جذورها.
هذه ليست جريمة أبٍ فقط…
بل لحظة مواجهة مع الذات.
إما أن نفهمها كما يجب…ونعالج الأزمة من جذورها،
أو ننتظرها، بشكلٍ آخر، وفي بيتٍ آخر..لا قدر الله.

