العموم نيوز: تتضافر مجموعة من العوامل المحلية والدولية لتشكل أزمة في قطاع الأدوية في بريطانيا، حيث أصبح الحصول على بعض الأدوية الأساسية أمراً صعباً لكثير من المرضى. ووصلت هذه المشكلة لأشخاص يعانون من أمراض القلب، وخطر السكتات الدماغية، والتهابات العين، بالإضافة إلى اضطرابات نفسية مثل الاضطراب ثنائي القطب واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط. فبالنسبة لهؤلاء المرضى، لا تمثل الأدوية مجرد علاج، بل ضرورة يومية لا يمكن الاستغناء عنها.
أسباب الأزمة بين ارتفاع الأسعار وتعقيد نظام التعويض
ترتبط مشكلة نقص الأدوية بعدة أسباب متداخلة. أول هذه الأسباب هو ارتفاع الأسعار العالمية للأدوية، نتيجة زيادة تكاليف الإنتاج والنقل. فقد أدت التوترات الدولية إلى ارتفاع أسعار الطاقة والنفط، وهو ما أثر بشكل مباشر على صناعة الأدوية، لأن كثيراً من مكوناتها يعتمد على مشتقات النفط.
كما يواجه نظام تمويل الأدوية في هيئة الخدمات الصحية الوطنية NHS تعقيدات كبيرة. حيث تدفع الهيئة للصيدليات سعراً ثابتاً لكل دواء، وعلى الصيدليات أن تشتري الأدوية بهذا السعر أو أقل. لكن عندما ترتفع أسعار السوق، تضطر الصيدليات أحياناً لشراء الأدوية بسعر أعلى من السعر الذي ستعوض به.
وللتعامل مع هذه المشكلة، تضع الحكومة قائمة تعرف باسم قائمة “التخفيضات السعرية”، حيث يتم تعديل أسعار بعض الأدوية لتعويض الصيدليات. وقد وصل عدد الأدوية المدرجة في هذه القائمة إلى رقم قياسي بلغ 210 أدوية في شهر أبريل. ومع ذلك، فإن هذه الآلية لا تستجيب بسرعة كافية لتغيرات السوق، مما يجعل الصيدليات تتحمل الخسائر لفترات طويلة.
ويؤكد خبراء، مثل الدكتورة ليلى هانبيك Laila Hanbeck، الرئيسة التنفيذية لرابطة الصيدليات المستقلة، أن العديد من الصيدليات تواجه صعوبة في توفير الأدوية، وغالباً ما تضطر إلى صرفها بخسارة بسبب بطء تحديث أسعار التعويض.
معاناة المرضى وخسائر الصيدليات
تؤثر هذه الأزمة بشكل مباشر على حياة المرضى. فكثير منهم يضطروا إلى إجراء اتصالات كثيرة أو زيارة عدة صيدليات للحصول على دوائهم. وفي بعض الحالات، يؤدي النقص إلى نتائج خطيرة، حيث أشارت جمعية الصرع إلى تسجيل ثلاث حالات وفاة خلال العامين الماضيين كان نقص الأدوية أحد العوامل المساهمة فيها.
ومن جهة أخرى، تتحمل الصيدليات عبئاً مالياً كبيراً. فقال أحد الصيادلة في شارع شيبرتون هاي ستريت Shepperton High Street في مقاطعة ساري Surrey، أنه لا يستطيع أحياناً توفير جميع الأدوية المطلوبة، وحتى عندما يوفرها فإنه قد يخسر المال، حيث قد تصل الخسارة في بعض الوصفات إلى نحو 9 جنيهات إسترلينية.
ولتقليل الخسائر، تلجأ الصيدليات إلى تقليل كميات المخزون، وهو ما يزيد من احتمال نقص الأدوية لدى المرضى. وقد أدى هذا الوضع إلى إغلاق عدد كبير من الصيدليات، حيث تم إغلاق حوالي 1500 صيدلية منذ عام 2017، منها 27 صيدلية خلال هذا العام فقط، ليصل العدد إلى أدنى مستوى له منذ 20 عاماً.
كما يشير أوليفييه بيكارد Olivier Picard، رئيس الرابطة الوطنية للصيادلة، إلى أن الصيادلة يخسرون المال في أكثر من 300 دواء أساسي يتم تداوله يومياً، مثل مميعات الدم وأدوية الضغط ومسكنات الألم، مؤكداً أن النظام الحالي لا يخدم أحداً، وأن المرضى هم الأكثر تضرراً.
كما تلعب عوامل السوق دوراً مهماً، حيث تنفق المملكة المتحدة نسبة أقل على الأدوية مقارنة بدول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا، مما يدفع بعض الشركات المصنعة إلى بيع منتجاتها في أسواق أخرى تحقق أرباحاً أعلى. كما يرى بعض المصنعين أن الأسعار الحالية منخفضة لدرجة تجعل إنتاج بعض الأدوية غير مجد اقتصادياً.
كما يعاني الصيادلة من ضغوط مالية كبيرة، حيث تكبدت بعض الصيدليات خسائر سنوية تصل إلى 140 ألف جنيه إسترليني. ويشير غورانغ باتيل Gurang Patel، مؤسس إحدى الصيدليات، إلى أن هذه الخسائر بدأت تؤثر حتى على مدخراتهم التقاعدية، مما يثير مخاوف من إغلاق المزيد من الصيدليات في المستقبل.
في النهاية، يبدو أن أزمة الأدوية في بريطانيا ليست وليدة الوضع الراهن الخاص بالتوترات الدولية، رغم أنها سبباً في زيادة الأزمة، فالنظام التعويضي البطيء وغير المرن وضع الصيادلة والمرضى في موقف صعب، ويبقى المريض هو الأكثر تضرراً في هذه المشكلة.

