لندن: محمد الطورة
بين الرؤية الملكية وحضور الدولة: منار الدباس يصوغ الموقف الأردني في لندن
“أكدتُ مؤخراً في لقائي بنائب حزب العمال، جون سلينغر، على ضرورة معالجة جذور الصراع في الشرق الأوسط، وتبادلنا وجهات النظر حول الخطوات القادمة والفاعلة لبناء الدولة الفلسطينية المستقلة وذات السيادة.”
بهذه الكلمات المقتضبة والعميقة، لخّص السفير الأردني في لندن، منار الدباس، جوهر الموقف الأردني، واضعاً النقاط على الحروف في قضيةٍ طال أمدها وتعقّدت مساراتها. وبوصفي مواطناً أردنياً، وموظفاً سابقاً عمل بمعية السفير الدباس، لم أستطع أن أمرّ مرور الكرام على هذه التغريدة؛ إذ تختزن بين سطورها ما هو أبعد من تصريحٍ دبلوماسي، لتغدو تعبيراً مكثفاً عن نهج دولة ورؤية قيادة.
ففي مشهدٍ دبلوماسيٍّ تتقاطع فيه المصالح وتتعاظم فيه التحديات، يواصل السفير الأردني في لندن، منار الدباس، أداء دوره بوصفه صوتاً عاقلاً يحمل إرث الدولة الأردنية وثوابتها، ويترجم رؤية جلالة الملك عبدالله الثاني إلى فعلٍ سياسيٍّ حيٍّ في قلب العواصم المؤثرة. فالدبلوماسية الأردنية، كما أرادها الملك، ليست ترفاً سياسياً ولا حضوراً شكلياً، بل مسؤولية تاريخية تقوم على ترجيح كفّة الحكمة في عالمٍ يميل إلى الاضطراب.
وفي هذا الإطار، تأتي لقاءات السفير الدباس مع صُنّاع القرار في المملكة المتحدة، ومن بينها لقاؤه مع نائب حزب العمال جون سلينغر، لتؤكد أن الأردن لا يكتفي بمتابعة المشهد، بل يسعى إلى التأثير في مساراته. فهو حاضرٌ في قلب المشهد السياسي البريطاني حضوراً فاعلاً، لا يقوم على الظهور الشكلي، بل يستند إلى قراءةٍ دقيقة لتعقيدات الإقليم، وينطلق من قناعةٍ راسخة بأن معالجة جذور الصراع في الشرق الأوسط لا يمكن أن تتحقق إلا عبر حلولٍ سياسية عادلة، وفي مقدمتها إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة.
ومنذ تسلّمه مهام عمله سفيراً في لندن، عمل السفير الدباس بصمتٍ دؤوب، يُجيد فيه فنّ التراكم؛ فلا يرفع الصوت بقدر ما يعمّق الأثر، ولا يكتفي بتبادل المجاملات بقدر ما يسعى إلى بناء مواقف. وقد استطاع، من خلال حضوره المتوازن وعلاقاته الواسعة، أن يرسّخ مكانة الأردن في دوائر صنع القرار البريطاني، مستنداً إلى ما يتمتع به بلده من مصداقية سياسية، ورصيدٍ من الاعتدال الذي أصبح في زمن الأزمات عملةً نادرة.
ولا ينفصل هذا الأداء عن كونه امتداداً مباشراً للدور المحوري الذي يضطلع به جلالة الملك عبدالله الثاني على الساحة الدولية، والنهج المؤسسي الراسخ الذي تقوده وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية، بما عُرف عنها من أداءٍ دبلوماسي متوازن يجمع بين الثبات على المبادئ والمرونة في الأدوات. فالسفير الدباس يتحرّك ضمن منظومة متكاملة، تُحسن إدارة حضورها الدولي، وتُتقن إيصال رسائلها بلغةٍ يفهمها العالم وتحترمها العواصم المؤثرة.
ولا ينفصل هذا الدور عن الخبرة العميقة التي اكتسبها السفير الدباس من مسيرته المهنية الغنية، والتي تشكّلت عبر محطاتٍ مفصلية صقلت وعيه السياسي والدبلوماسي. فقد تعمّقت خبرته واتسعت آفاقها من خلال قربه المباشر من مركز القرار في عمّان، خلال عمله مستشاراً ومديراً للمكتب الخاص لجلالة الملك عبدالله الثاني وولي عهدة الأمير الحسين بن عبدالله، حيث تشكّلت لديه رؤية واضحة لأولويات السياسة الأردنية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي ظلّت في صدارة اهتمامات جلالته بوصفها جوهر الاستقرار ومفتاح السلام الشامل.
وقبل ذلك، خاض السفير الدباس تجارب عملية أسهمت في ترسيخ أدواته المهنية؛ إذ عمل مديراً لمكتب رئيس وزراء الأردن، مطّلعاً على تفاصيل العمل التنفيذي وآليات صناعة القرار، كما انخرط في العمل الدبلوماسي من خلال السفارة الأردنية في واشنطن، حيث اكتسب فهماً عميقاً لطبيعة العلاقات الدولية وطرق التأثير في مراكز القرار العالمية. وقد تكاملت هذه المسارات لتصوغ شخصية دبلوماسية تجمع بين الرؤية الاستراتيجية والخبرة العملية، وتُحسن توظيفهما في خدمة قضايا وطنها وأمتها.
وفي موازاة ذلك، يتقدّم دور السفير الدباس في تعزيز العمل العربي المشترك داخل لندن، حيث يحرص على توطيد علاقاته مع زملائه السفراء العرب، إدراكاً منه أن الصوت العربي، حين يتوحّد، يصبح أكثر قدرة على الوصول والتأثير. كما أنه لا ينفك عن مدّ جسور التواصل مع سفراء الدول الصديقة، حاملاً إليهم رسائل الأردن ومواقفه إزاء مختلف القضايا الدولية، ولا سيما ما يتصل بمنطقة الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، يحرص على حثّ تلك الدول على الاضطلاع بدورٍ أكثر فاعلية في دعم جهود إعادة الأمن والاستقرار إلى المنطقة، في ظل ما تعانيه من صراعات وحروب ألقت بظلالها الثقيلة على شعوبها واقتصاداتها، مؤكداً أن استقرار الشرق الأوسط لم يعد شأناً إقليمياً فحسب، بل ضرورة دولية تمسّ مصالح العالم بأسره.
إن ما يقوم به السفير منار الدباس يتجاوز حدود العمل الدبلوماسي التقليدي، ليغدو فعلاً سياسياً ذا بعدٍ أخلاقي، يربط بين الموقف والمبدأ، وبين الحضور والتأثير. وهو، في ذلك، يجسّد مدرسة أردنية ترى في الحوار طريقاً، وفي التوازن نهجاً، وفي الدفاع عن القضايا العادلة التزاماً لا يتبدّل. وبين عمّان ولندن، يظلّ هذا الصوت حاضراً، حاملاً رسالة مفادها أن السلام الحقيقي لا يولد من فراغ، بل يُصاغ بإرادةٍ صادقة، ورؤيةٍ واضحة، وعملٍ لا يعرف التوقف.

