لندن: محمد الطّورة
من خطاب الملك في الأمم المتحدة إلى تحركات السفارة في لندن.. الدبلوماسية الأردنية تتحرك على أكثر من مسار
السفير الأردني في لندن منار الدباس في مؤتمر الديمقراطيين الليبراليين مشاركة تندرج في سياق أوسع من الحضور الأردني لدى مراكز القرار البريطانية والدولي
منذ انطلاقه من العاصمة البريطانية لندن، دأب موقع العموم نيوز على متابعة الشأن الأردني وتطوراته السياسية والدبلوماسية، إلى جانب رصد نشاطات السفارة الأردنية في المملكة المتحدة والفعاليات واللقاءات التي تشارك فيها، وما يرتبط بها من تواصل مع المؤسسات السياسية والبرلمانية ومراكز صنع القرار في بريطانيا.
وفي هذا الإطار، يتابع الموقع مشاركة السفير الأردني لدى المملكة المتحدة، منار الدباس، في المؤتمر السنوي للحزب الديمقراطي الليبرالي البريطاني، باعتبارها واحدة من الفعاليات التي تعكس طبيعة الحضور الدبلوماسي الأردني في المشهد السياسي البريطاني، وما يرافقه من تواصل مع مختلف القوى والتيارات السياسية، خصوصاً في الملفات التي تحظى باهتمام أردني ودولي، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وحل الدولتين.
وبحسب ما أعلنته السفارة الأردنية في لندن، شارك السفير الدباس في نسخة هذا العام من مؤتمر الحزب، وعقد لقاءات مع عدد من أعضائه تناولت الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة البريطانية، والجهود البرلمانية الرامية إلى الحفاظ على الزخم السياسي المتصل بحماية حل الدولتين، إلى جانب بحث مواقف الحزب تجاه قضايا المنطقة والقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.
وقد انعقد المؤتمر السنوي للحزب الديمقراطي الليبرالي في مدينة برايتون خلال الفترة من 19 إلى 22 أيلول/سبتمبر 2026، وشمل جلسات ونقاشات سياسية ولقاءات مع نواب وشخصيات قيادية في الحزب.
حزب فاعل في المشهد السياسي البريطاني
يُعد الحزب الديمقراطي الليبرالي من الأحزاب السياسية الرئيسية في بريطانيا، وله حضور برلماني وسياسي على المستويين الوطني والمحلي. ويطرح الحزب في أدبياته مجموعة من المبادئ المرتبطة بالديمقراطية والحقوق والحريات والتعاون الدولي، فيما يشكل مؤتمره السنوي مساحة لمناقشة السياسات واتخاذ القرارات المتعلقة بمواقف الحزب.
وفي الملف الفلسطيني، يعود موقف الحزب الداعم لحل الدولتين واحترام القانون الدولي إلى سنوات سابقة. فقد أكد مؤتمر الحزب في قراره المتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني التزامه بحل الدولتين، ودعا إلى احترام دور القانون الدولي والمحاكم الدولية، فيما أكدت قيادات الحزب في مناسبات لاحقة أن التوصل إلى حل سياسي يقوم على وجود دولتين يمثل هدفاً أساسياً لجهود السلام.
وهذا السياق يجعل التواصل مع الحزب، وغيره من الأحزاب والقوى السياسية البريطانية، جزءاً من متابعة النقاش السياسي داخل المملكة المتحدة، وليس مجرد اتصال بالسلطة التنفيذية وحدها.
من نيويورك إلى لندن
وتكتسب المشاركة الأردنية في هذا المؤتمر دلالتها الأكبر عند وضعها في إطار الحراك الدبلوماسي الأردني الأوسع، ولا سيما التحركات التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني على المستوى الدولي.
ففي 22 أيلول/سبتمبر 2026، ألقى جلالة الملك خطاب الأردن أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين في نيويورك، متناولاً التحديات الإقليمية والدولية، ومؤكداً أهمية توجيه الاهتمام الدولي نحو الأزمات والقضايا التي تتطلب حلولاً سياسية ودبلوماسية.
وجاءت المشاركة الملكية في اجتماعات الأمم المتحدة ضمن سلسلة من اللقاءات والاتصالات مع قادة ومسؤولين دوليين، في وقت يواصل فيه الأردن طرح رؤيته بشأن مستقبل المنطقة، والقضية الفلسطينية، وضرورة الوصول إلى سلام عادل ودائم يستند إلى القانون الدولي ويضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
وبالنسبة للأردن، فإن التأكيد على حل الدولتين لا يمثل موقفاً ظرفياً مرتبطاً بحدث سياسي بعينه، بل يشكل أحد المحاور الثابتة في الخطاب السياسي والدبلوماسي الأردني، كما يظهر في التحركات الملكية والاتصالات الحكومية والدبلوماسية المختلفة.
السفارات امتداد للحضور الأردني
وفي هذا السياق، يمكن قراءة النشاط الدبلوماسي الأردني في لندن ضمن منظومة أوسع من العمل الخارجي للمملكة.
فالبعثات الدبلوماسية الأردنية في العواصم المختلفة تتابع التطورات السياسية في الدول المضيفة، وتتواصل مع الحكومات والبرلمانات والأحزاب والمؤسسات ومراكز الفكر، إلى جانب دورها في شرح المواقف الأردنية ومتابعة القضايا ذات الصلة بالمصالح الأردنية والعربية.
ومن هذه الزاوية، فإن لقاءات السفير الأردني في لندن مع أعضاء البرلمان والأحزاب البريطانية، ومنها المشاركة في مؤتمر الديمقراطيين الليبراليين، تشكل جزءاً من نشاط البعثة في متابعة المشهد السياسي البريطاني والتفاعل مع مكوناته المختلفة.
ولا يقتصر هذا النوع من التواصل على حزب سياسي بعينه، وإنما يأتي في إطار طبيعة العمل الدبلوماسي الذي يقوم على التواصل مع مختلف الأطراف السياسية والمؤسسات المؤثرة في الدولة المضيفة.
أهمية لندن في التحرك الدبلوماسي الأردني
وتحظى بريطانيا بأهمية خاصة في شبكة العلاقات الدولية الأردنية، بالنظر إلى دورها السياسي والدبلوماسي، وعضويتها الدائمة في مجلس الأمن، فضلاً عن ثقل مؤسساتها السياسية والبرلمانية في النقاشات المتعلقة بالسياسة الخارجية والشرق الأوسط.
ومن ثم، فإن متابعة ما يجري داخل البرلمان البريطاني والأحزاب السياسية، ورصد المواقف المتصلة بالقضية الفلسطينية وحل الدولتين، توفر للبعثة الأردنية مساحة إضافية للتواصل وطرح الموقف الأردني، بالتوازي مع العلاقات الرسمية القائمة بين الحكومتين الأردنية والبريطانية.
ويكتسب هذا التواصل أهمية خاصة في ظل استمرار النقاش داخل الأوساط السياسية البريطانية حول مستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ومستقبل حل الدولتين، ودور المملكة المتحدة في دعم المسار السياسي والقانون الدولي.
الدبلوماسية الأردنية.. تعدد في المنابر ووحدة في الرسالة
ومن نيويورك إلى لندن، تتعدد المنابر التي يتحرك من خلالها الأردن دبلوماسياً، فيما تتكامل الأدوار بين المستوى الملكي والحكومي والبعثات الدبلوماسية في الخارج.
فما يطرحه جلالة الملك عبدالله الثاني في المحافل الدولية يشكل الإطار العام للتحرك الأردني، فيما تتابع المؤسسات الحكومية ووزارة الخارجية وشؤون المغتربين والبعثات الدبلوماسية ترجمة هذه المواقف إلى اتصالات وتحركات وفق طبيعة كل عاصمة ومؤسسة وساحة سياسية.
وفي هذا المعنى، فإن مشاركة السفير الدباس في مؤتمر الحزب الديمقراطي الليبرالي يمكن النظر إليها بوصفها حلقة ضمن سلسلة من التحركات الدبلوماسية الأردنية في لندن، تهدف إلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف القوى السياسية البريطانية، ومتابعة المواقف المتصلة بالقضية الفلسطينية وحل الدولتين.
كما أن أهمية هذه المشاركة لا تنبع فقط من طبيعة الحزب الذي استضاف المؤتمر، وإنما من توقيتها أيضاً؛ إذ تأتي بعد أيام قليلة من مشاركة جلالة الملك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي مرحلة تتواصل فيها الجهود الدولية للحفاظ على إمكانية الوصول إلى حل سياسي للقضية الفلسطينية.
وفي المحصلة، فإن الحضور الأردني في لندن، كما في غيرها من العواصم، يعكس طبيعة العمل الدبلوماسي متعدد المسارات، الذي يجمع بين الاتصالات الرسمية، والتحرك البرلماني والسياسي، والمشاركة في المؤتمرات والفعاليات، ومتابعة مراكز التأثير وصنع القرار.
وبين منبر الأمم المتحدة في نيويورك والفعاليات السياسية في لندن، يستمر الأردن في طرح مواقفه بشأن القضية الفلسطينية وحل الدولتين والقانون الدولي، فيما تواصل بعثاته الدبلوماسية متابعة هذه الملفات في العواصم التي تعمل فيها، ضمن منظومة واحدة من الحضور والتواصل والتحرك الخارجي.
