في هذا الحوار الصحفي الخاص الذي أُجري في لندن، يتحدث الأستاذ محمد الطّورة، ناشر موقع «العموم نيوز»، بصراحة عن تجربته الإعلامية، ويكشف جانبًا من الكواليس والظروف التي رافقت ولادة الموقع، وأسباب صدوره من خارج الأردن، رغم أن طموحه منذ البداية كان أن يرى «العموم نيوز» النور من داخل الوطن.
ولا يقتصر الحديث على تجربة الموقع ومكان صدوره، بل يتناول أيضًا جملة من العراقيل التي واجهت المشروع، والظروف التي حالت دون انطلاقته من الداخل، وما يعتقد الطّورة أنه قد يكون أحد أسباب تلك العراقيل، نتيجة عدم اطّلاع بعض المعنيين في جهات رسمية على تفاصيل أدوار وتجارب سابقة اضطلع بها بالتعاون مع جهات وطنية أخرى.
ويؤكد الطّورة أنه لا ينظر إلى تجربته من زاوية الخصومة مع أشخاص أو مؤسسات، لذلك يفضّل عدم تسمية الجهات أو الأشخاص الذين يعتقد أنهم أسهموا في عرقلة المشروع، مشددًا على أن المطالبة بالحق ورفع المظلمة لا يعنيان بأي حال من الأحوال معاداة الوطن أو الإساءة إلى مؤسساته.
كما يتحدث عن رؤيته للعمل الإعلامي وفلسفته في ممارسة المهنة، مستندًا إلى نحو ثلاثة عقود أمضاها في خدمة الدولة من خلال العمل في مواقع ووظائف رسمية، مؤكدًا أن الاختلاف مع بعض القرارات أو الإجراءات يظل حقًا مشروعًا، ولا ينبغي أن يتحول إلى إساءة للوطن أو إلى موقف عدائي تجاه مؤسساته.
ويطرح هذا الحوار جملة من الأسئلة التي قد تكون شغلت كثيرًا من المتابعين: لماذا يصدر «العموم نيوز» من لندن؟ وهل كان بالإمكان أن يرى النور من داخل الأردن؟ وما الذي حال دون ذلك؟ وهل كان سوء الفهم أو غياب المعلومات الكاملة أحد الأسباب التي أعاقت انطلاق المشروع؟
إليكم نص المقابلة كاملة…
المحاور:
لنبدأ من السؤال الأول الذي يطرحه كثير من المتابعين: لماذا يصدر موقع «العموم نيوز» من لندن، بينما معظم اهتمامه وأخباره وقضاياه تتعلق بالوطن؟ لماذا لم يكن الإصدار من الداخل؟
الطّورة»:
بصراحة، إصدار الموقع من لندن لم يكن خيارنا الأول، ولم يكن هدفنا منذ البداية أن نعمل من خارج الوطن. كنا نريد أن يصدر «العموم نيوز» من الداخل، وأن يكون بين الناس، قريبًا من الأحداث والمواطنين، وأن يمارس دوره الإعلامي من داخل الوطن.
لكننا عندما حاولنا أن نبدأ من الداخل، واجهنا عراقيل حالت دون ذلك، وفي النهاية وجدنا أنفسنا أمام خيارين: إما أن نتوقف، أو نبحث عن مكان آخر نستطيع من خلاله مواصلة المشروع. فكان القرار أن يصدر الموقع من لندن.
المحاور:
عندما تقول “عراقيل”، ماذا تقصد تحديدًا؟ ومن وضعها في طريقكم؟
الطّورة»:
هناك أشخاص في بعض الجهات الرسمية وقفوا في طريقنا، وكانت هناك إجراءات وتأخيرات حالت دون تنفيذ ما كنا نخطط له.
المذيع:
هل من الممكن أن تذكر لنا أسم تلك الجهه وأسماء الأشخاص
الطّورة
أعتذر وأفضل عدم ذكر أسماء تلك الجهات أو الأشخاص
المحاور:
ممكن نعرف سبب إمتناعك
الطّورة:
السبب هو أن هدفي من هذا الحوار لم يكن هدفه أن أفتح بابًا لتصفية الحسابات مع مؤسسات أو أن أوجه اتهامات لأشخاص بأسمائهم. ما يهمني هو الحديث عن التجربة نفسها، وعن الأسباب التي جعلتنا نضطر إلى إصدار الموقع من الخارج.
المحاور:
ولكن ألا تعتقد أن المتابع من حقه أن يعرف لماذا حدث ذلك؟
الطّورة»:
بالتأكيد، ومن حقه أن يسأل. وأنا أيضًا حاولت أن أسأل وأفهم لماذا حدث كل ذلك؟
من وجهة نظري، لم يكن هناك سبب موضوعي وجوهري يبرر وضع العراقيل أمام المشروع؟، خصوصًا أننا لم نكن بصدد مشروع يستهدف الدولة أو مؤسساتها، وإنما مشروع إعلامي وطني يهتم بالشأن الوطني الأردني والعربي ويكون شريك في الدفاع عن الوطن ومنجزاته.
وبالرغم من ذلك فإن لدي تصور لأحد الأسباب المحتملة، وأقول “المحتملة” لأنني لا أريد أن أجزم بشيء لا أملك عليه دليلًا قاطعًا. وهي الأسباب التي أعتقد أنها كانت تقف خلف كل ما حصل
المحاور:
وما هو هذا التصور؟
الطّورة»:
أعتقد أن بعض الأشخاص في تلك الجهات ربما لم تكن لديهم الصورة الكاملة أو مغيبة عن بعض مجريات بعض الأحداث وتفاصيل الأدوار التي تمت في مراحل سابقة لصالح الوطن، بالتعاون والتنسيق ما بين جهات وطنية أخرى على أعلى المستويات.
وربما نشأ لديهم انطباع بأن بعض تلك الأحداث تمت بمعزل عن المؤسسة التي يعملون فيها. وهذا، في تقديري، ربما أدى إلى نوع من سوء الفهم.
المحاور:
وهل تعتقد أن سوء الفهم هذا كان وراء تعطيل المشروع؟
الطّورة»:
هذا أحد الاحتمالات التي أضعها في المقدمة عندما أحاول فهم ما حدث. وما لفت انتباهي أن رد الفعل لم يكن في صورة قرار واضح ومعلن يوضح لنا الأسباب، وإنما ظهر من خلال تصرفات أدت إلى التأخير والتسويف وتعطيل الإجراءات.
كان يمكن ببساطة أن يقال لنا: هذا هو السبب، وهذه هي الملاحظات، وهذه هي المتطلبات التي ينبغي استيفاؤها. وكنا سنتعامل معها بكل وضوح.
لكن عندما تجد أن الوقت يمر، والإجراءات تتأخر، والأبواب لا تفتح، ولا تحصل على إجابة واضحة، تبدأ في التساؤل: أين تكمن المشكلة؟ وتصبح أمام خيار واحد هو الهجرة للخارج
المحاور:
إذا كنت تشعر أن هناك ظلمًا وقع عليك، لماذا لم تراجع صاحب القرار مباشرة وتطلب معرفة الأسباب؟
الطّورة»:
حاولنا قدر الإمكان، لكن أحيانًا تجد نفسك في موقف يصعب فيه الوصول إلى صاحب القرار أو معرفة أين تبدأ المشكلة وأين تنتهي ناهيك عن سماع ابسط كلمة في مثل هذه الحالات وهي بأنتظار أجتماع اللجان وصدور قراراتها؟.
وكما يقول المثل: إذا كان القاضي غريمك، فلمن تشتكي؟
لكنني لا أقول ذلك من باب اليأس، وإنما لوصف حالة شعرت بها في تلك المرحلة.
المذيع
إذن لماذا لا ترفع مظلمتك إلى قائد الوطن جلالة الملك عبدالله الثاني، خصوصًا أنه دعا المواطن الذي يشعر بالظلم إلى أن يرفع صوته ويعبّر عن مظلمته؟
الطّورة»:
وهذا ما أود أن أفعله في أقرب فرصة ممكنة عندما تسمح لي الظروف بذلك. أنا أؤمن أن للمواطن حقًا في أن يرفع مظلمته لصاحب القرار، وأن يبحث عن الإنصاف، وأن يوضح ما حدث معه، لكنني أؤمن في الوقت نفسه أن المطالبة بالحق لا تعني أبدًا محاربة وجلد الوطن .
وهنا أريد أن أقول شيئًا ربما يكون مهمًا للإطلاع عليه من قبل الجمهور.
لقد قضيت قرابة ثلاثة عقود من عمري في العمل العام في وظائف الدولة الرسمية، وعشت داخل مؤسساتها، وعملت مع مؤسسات وطنية، وأعي جيدًا أن الدولة ومؤسساتها أكبر من الأشخاص وأبقى من أي خلاف عابر فالأشخاص يأتون ويذهبون ولكن الوطن هو الباقي
لذلك لن أسمح لنفسي أن أحوّل مظلمتي الشخصية إلى حرب على مؤسسات وطني عبر وسائل الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي كما يفعل البعض.
المحاور:
لكن هناك من قد يقول: إن اختيار لندن لإصدار الموقع قد يعطي انطباعًا بأن «العموم نيوز» أصبح إعلامًا معارضًا من الخارج.
الطّورة»:
أنا أحترم هذا التساؤل، لكنني أختلف مع هذه النتيجة.
المكان الذي يصدر منه الموقع لا يحدد وحده موقفه من الوطن. نحن نصدر من لندن، نعم، لكن أخبارنا واهتماماتنا وقضايا الموقع مرتبطة بالوطن.
نحن لم نختر الخارج لأننا أردنا الابتعاد عن وطننا. نحن لجأنا إلى الخارج لأن الظروف التي واجهناها منعت المشروع من أن يبدأ بالشكل الذي كنا نريده من الداخل.
ولو توفرت لنا الظروف المناسبة للعمل من داخل الوطن، فلن يكون هناك ما يمنعنا من العودة إلى الداخل.
المحاور:
وهل ترى أن العمل الإعلامي من الخارج يمكن أن يكون وطنيًا؟
الطّورة»:
بالتأكيد.
الوطنية ليست عنوانًا جغرافيًا، وليست مرتبطة بالمبنى الذي يوجد فيه مقر الصحيفة أو الموقع الإخباري. الوطنية موقف ومسؤولية وضمير.
قد يكون الإنسان داخل الوطن، لكنه يسيء إليه ويشوّه صورته، وقد يكون خارج الوطن لكنه يحمل همه ويحرص على مصلحته ويحترم مؤسساته.
نحن نريد للعموم نيوز أن يكون موقعاً إعلامًا وطنيًا مهنيًا؛ ننتقد من خلاله بالكلمة الصادقة الجريئة عندما يكون هناك ما يستحق النقد، ونشير إلى الخلل عندما نراه، ولكن من دون تجريح أو تشهير أو تحويل الخلاف إلى خصومة مع الدولة.
المحاور:
إذن أنت تفرق بين انتقاد قرار أو إجراء، وبين مهاجمة الوطن ومؤسساته؟
الطّورة»:
بالتأكيد، وهذا بالنسبة لي خط فاصل لا يمكن تجاوزه.
لدينا قناعة راسخة أن من حق المواطن أن يقول: هذا القرار لم يكن صحيحًا، أو هذه الإجراءات أضرت بي، أو هذه المظلمة يجب أن تجد طريقها إلى الإنصاف.
لكن ليس من حقنا أن نحول ذلك إلى جلد مستمر للوطن ومؤسساته، أو أن نقدم صورة وكأن الدولة كلها خصم للمواطن.
أنا أختلف مع أشخاص، وقد أختلف مع إجراءات حكومية، وقد أطالب بتصحيح قرار، لكن ذلك لا يجعلني خصمًا لوطني.
المحاور:
لو أتيحت لك اليوم فرصة للحديث مع من وقفوا في طريق المشروع، ماذا ستقول لهم؟
الطّورة»:
سأقول لهم: سامحكم الله نحن لم نكن في يوم من الأيام في خصومة معكم، ولم يكن هدفنا تجاوز بعض مؤسسات الدولة أو العمل ضدها عندما نكلف بإنجاز أي عمل وطني .
ربما حدث سوء فهم من قبلكم، وربما لم تكن كل التفاصيل معروفة لديكم كأشخاص من قبل المؤسسة التي تعملون بها . لذلك كان يمكن معالجة الأمر بالحوار والتوضيح بدلًا من التأخير والتسويف وتعطيل المشروع وأهدار وقت الناس بالمراجعات؟
كل ما نتمناه هو أن يكون الحكم على الأمور التي تخص الوطن بناءً على الصورة الكاملة، لا على انطباع ناقص أو معلومات لم تصل إلى أصحاب القرار كاملة.
المحاور:
وأخيرًا، ما الرسالة التي تريد أن تصل إلى متابعي «العموم نيوز» من خلال هذا الحوار؟
الطّورة»:
رسالتي بسيطة جدًا: لا تنظروا إلى «العموم نيوز» على أنه موقع صدر من لندن لأنه اختار أن يكون بعيدًا عن وطنه.
نحن خارج الوطن جغرافيًا، لكننا داخل قضاياه واهتماماته.
لم نغادر الوطن إعلاميًا، ولم نتخلَّ عن مؤسساته، ولم نحول ما تعرضنا له من عراقيل إلى مشروع لمهاجمة الدولة أو مقاطعة أخبارها .
نحن نريد أن نعمل، وأن نقول الحقيقة، وأن نكون صوتًا للمواطن، وأن نحافظ في الوقت نفسه على احترام وطننا ومؤسساته.
المحاور:
هل لديك خطط او وسائل قد تسلكها لضمان عودة العموم نيوز للصدور من داخل الوطن كما كنت ترغب
الطّورة:
سأضع مظلمتي بين يدي قائد الوطن الذي لا أشك أنه الوحيد القادر على إنصاف كل شخص وقع بحقه ظلم دون أي مبرر
المحاور:
كلمة أخيرة؟
الطّورة:
أرجو أن أبين لإخواني وأخواتي المواطنيين أن الإختلاف في الرأي، وعدم الرضى عن بعض القرارات الحكومية، لا ينبغي أن يكون طرفًا في خلافاتنا.
في الختام لا بد من التأكيد أن المطالبة بالحق والدفاع عن الظلم لا يعني أن نحارب الوطن والإسائه لمؤسساته الوطنية.