ليس صحيحًا أن الأردنيين لا يغضبون.
هم يغضبون، لكنهم يعرفون أن الوطن أكبر من غضبهم، وأن الدولة ليست خصمًا لهم، وأن الحفاظ على استقرار الأردن مسؤولية لا يمكن العبث بها.
ولهذا صبروا طويلًا.
صبروا على ضيق المعيشة، وارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وشح فرص العمل، وعلى قرارات اقتصادية أثقلت كاهل الأسرة الأردنية، وعلى وعود كثيرة بقي بعضها في خانة الانتظار.
صبروا لأنهم يؤمنون بأن الأردن يستحق.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين الصبر الوطني وبين أن يتحول صبر الناس إلى رخصة مفتوحة لسوء الإدارة، أو إلى ذريعة لاستمرار الأخطاء، أو إلى غطاء لتجاوزات بعض المسؤولين.
وهنا تبدأ المشكلة.
حين يشعر بعض أصحاب القرار أن المواطن سيصمت مهما حدث، يصبح الصمت خطرًا. وحين يُساء تفسير الهدوء الشعبي على أنه رضا، تتحول المسافة بين المسؤول والناس إلى فجوة يصعب ردمها.
الأردني ليس ضد الدولة، لكنه ضد أن تُدار الدولة بمنطق الأشخاص.
ليس ضد المسؤول، لكنه يريد مسؤولًا يدرك أن الموقع العام أمانة، وأن الكرسي الذي يجلس عليه ليس ملكًا له، وأن المال الذي يتصرف به ليس من جيبه.
مقدرات الأردن ليست ملكًا لأحد.
هي ملك للأردنيين جميعًا، ولأبنائهم وأحفادهم.
ولهذا فإن كل قرار يتعلق بالمال العام، أو المؤسسات العامة، أو موارد الدولة، يجب أن يُقاس أولًا بمصلحة الوطن، لا بمصلحة الأشخاص، ولا بحسابات البقاء في المنصب، ولا بشبكات العلاقات والمجاملات.
المسؤول الذي يخشى خسارة موقعه أكثر مما يخشى خسارة ثقة الناس، لا يستطيع أن يصنع إصلاحًا.
والمسؤول الذي يرى في النقد تهديدًا، بدل أن يراه وسيلة لاكتشاف الخلل، يساهم من حيث لا يدري في تعميق الخلل.
لقد آن الأوان لأن نتوقف عن التعامل مع المواطن باعتباره الطرف الذي يجب أن يتحمل دائمًا.
لماذا المواطن وحده؟
لماذا يُطلب منه شد الحزام، بينما لا يرى دائمًا الدرجة نفسها من الحزم في ضبط الإنفاق العام؟
لماذا يُطلب منه التضحية، بينما لا يشعر أن المسؤولية والمحاسبة تسيران بالسرعة ذاتها؟
ولماذا يصبح المواطن مطالبًا بتقديم التنازلات، بينما تتحول بعض المواقع العامة إلى مساحات نفوذ وامتياز؟
هذه ليست أسئلة شعب غاضب من وطنه.
هذه أسئلة مواطن حريص على وطنه.
والأخطر من الفقر هو أن يفقد الإنسان إحساسه بالعدالة.
والأخطر من ارتفاع الأسعار أن يشعر المواطن بأن صوته لا يصل.
والأخطر من الأزمة الاقتصادية أن تتحول الأزمة إلى أزمة ثقة.
والأردن لا يحتمل أزمة ثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
فهذا البلد قام تاريخيًا على صلابة شعبه، وعلى علاقة عميقة بين الدولة والمواطن. وهذه العلاقة لا ينبغي أن تُترك رهينة لممارسات تجعل الناس يشعرون بأن هناك من يتغول على مؤسسات الدولة، أو يتعامل مع مقدراتها وكأنها مساحة خاصة.
لا أحد فوق المساءلة.
ولا أحد يجب أن يكون فوق النقد.
ولا يجوز أن يكون المنصب العام حصانة من السؤال.
ومن حق الأردني أن يعرف أين تذهب أموال بلده، وكيف تُتخذ القرارات، وما هي الأولويات، ومن يتحمل مسؤولية الخطأ عندما يقع.
المحاسبة ليست انتقامًا.
والشفافية ليست تشكيكًا بالدولة.
والنقد ليس خيانة.
بل إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة هو أن يصبح النقد خيانة، والصمت فضيلة، والسؤال جريمة، والمسؤول دائمًا على حق.
لا تختبروا صبر الأردنيين
لديهم من الرصيد الوطني والأخلاقي ما يكفي لأن يصبروا، ويتحملوا، ويمنحوا الفرص، ويغلبوا مصلحة الوطن على مصالحهم الخاصة.
لكن لديهم، في المقابل، من الوعي والكرامة ما يكفي لأن يقولوا «لا» بالفم الملآن عندما يشعرون أن حدود الاحتمال قد تم تجاوزها.
نعم، لديهم الكثير.
لديهم ذاكرة لا تنسى، وتجارب راكمتها السنوات، وقدرة على التمييز بين من يعمل من أجل الوطن، ومن يجعل من الوطن سلّمًا لموقعه أو نفوذه.
ولديهم القدرة على أن يقولوا: هذا يكفي.
ليس «لا» للوطن، ولا «لا» للدولة، ولا «لا» للاستقرار؛ وإنما «لا» لكل ممارسة تُسيء إلى الوطن، ولكل تغول على مقدراته، ولكل استهانة بعقل المواطن، ولكل محاولة لتحويل صبر الناس إلى غطاء دائم للأخطاء.
فالأردني الذي صبر حفاظًا على وطنه، قادر أيضًا على أن يرفع صوته دفاعًا عن وطنه.
والذي تحمل الكثير، ليس مستعدًا لأن يتحول تحمله إلى ورقة يستغلها البعض إلى ما لا نهاية.
لا تختبروا صبر الأردنيين.
فالصبر فضيلة، لكنه ليس ضعفًا.
والهدوء ليس استسلامًا.
والصمت ليس موافقة.
وحين يقول الأردني «لا» بالفم الملآن، فليست المشكلة في صوته؛ المشكلة في الأسباب التي دفعته إلى أن يقولها.
الأردن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من اختبارات الصبر، بقدر ما يحتاج إلى إدارة تستعيد ثقة الناس، ومسؤول يعرف أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن المال العام أمانة، وأن المواطن ليس مجرد رقم في معادلة اقتصادية.
لقد صبر الأردنيون كثيرًا.
وصبروا من أجل الأردن.
لكن المطلوب الآن ألا يُطلب منهم المزيد من الصبر، بل أن يروا عدالة، ومحاسبة، وشفافية، وكفاءة، وإدارة تحترم عقولهم وتقدّر تضحياتهم.
فالأردني قد يصبر على ضيق الحال، لكنه لن يقبل أن يصبح صبره مبررًا لاستمرار الحال.
احموا الوطن من أخطاء بعض المسؤولين، قبل أن تطلبوا من المواطن مزيدًا من الصبر.

