لندن: محمد الطّورة
“أَنا اِبنُ جَلا وَطَلاعِ الثَنايا
مَتى أَضَعِ العِمامَةَ تَعرِفوني”
…………………………………………….
“ألخَيْلُ وَاللّيْلُ وَالبَيْداءُ تَعرِفُني
وَالسّيفُ وَالرّمحُ والقرْطاسُ وَالقَلَمُ”
كلما تابعت من لندن خطابًا أو محاضرةً لأحد المسؤولين، سواء كان في موقع المسؤولية اليوم أو ممن غادروها بالأمس، ينتابني شعورٌ بالتفاؤل. أستمع إلى كلماتٍ تبعث الأمل، وأغلق الشاشة وأنا أتوقع أن أصحو في اليوم التالي على قراراتٍ جريئة، وإصلاحاتٍ حقيقية، تضع مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار.
لكن… يأتي الصباح، ولا أجد إلا أن الآمال قد تبخرت، وأن الواقع بقي كما هو.
الأبيات التي بدأت بها المقال ليست مجرد روائع خلدها الشعر العربي، ولا هي كلمات تُستحضر للزينة البلاغية أو للتفاخر الأدبي، وإنما هي إعلان عن إنسانٍ جعلت أفعاله تسبقه، حتى غدت سيرته أبلغ من لسانه.
وحين نقرأ هذه الأبيات اليوم، لا ينبغي أن يكون السؤال: من قالها؟ فذلك أمر حسمه التاريخ. وإنما السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو:
من يجرؤ أن يقولها اليوم؟
وليس المقصود جرأة النطق، فالكلمات لم تعد مكلفة، والخطب لم تعد نادرة، والشعارات أصبحت أكثر من أن تُحصى. وإنما المقصود جرأة الموقف، وصدق الفعل، والقدرة على أن تتحدث الإنجازات عن أصحابها قبل أن يتحدثوا هم عن أنفسهم.
لقد عاش أسلافنا زمنًا كانت فيه الكلمة عهدًا، فإذا قيلت تبعتها الأفعال. أما اليوم، فكثيرًا ما تنفصل الكلمات عن الواقع، حتى أصبح الناس يقيسون الرجال بما يصنعون، لا بما يقولون، وبما يتركون من أثر، لا بما يرفعون من شعارات.
ولعل الخطأ الأكبر أننا نحصر معاني هذه الأبيات في بطولة الأفراد، بينما هي في حقيقتها مقياس لكل من يحمل مسؤولية، وكل من يملك قرارًا، وكل من أوكلت إليه أمانة تتعلق بمصير الناس.
فالمسؤولية ليست امتيازًا، بل اختبارًا. والقيادة ليست وجاهة، بل تضحية. والمنصب ليس غاية يُتمسك بها، بل وسيلة لخدمة الوطن والإنسان.
ولذلك فإن ترجمة هذه الأبيات إلى واقع لا تكون بتكرارها في الخطب، ولا بالاستشهاد بها في المناسبات، وإنما باتخاذ المواقف التي تفرضها مصلحة الأمة، ولو كانت مكلفة، وبالقدرة على تقديم الصالح العام على المكاسب الخاصة، وعلى تجاوز الحسابات الضيقة عندما يكون مصير الأوطان على المحك.
إن التاريخ لا يخلد الذين أحسنوا إدارة مصالحهم الشخصية، بل يخلد الذين أحسنوا حمل الأمانة. ولا يحفظ أسماء من خافوا اتخاذ القرار، بل يكتب أسماء أولئك الذين امتلكوا شجاعة القرار حين كان الصمت أسهل، والتردد أقل كلفة.
إن ما تمر به أمتنا اليوم من تحديات سياسية واقتصادية وأمنية وفكرية يجعلنا أكثر حاجة إلى قيادات ترى في المنصب تكليفًا لا تشريفًا، ورسالةً لا مكسبًا، ومسؤوليةً أمام الله والتاريخ والأجيال القادمة، لا مجرد مرحلة عابرة في سجل المناصب.
وليس المطلوب أبطالًا من نسج الأساطير، ولا قادةً لا يخطئون، وإنما رجال ونساء يملكون من الشجاعة الأخلاقية ما يجعلهم يقدمون مصلحة أوطانهم على مصالحهم، ويضعون كرامة شعوبهم فوق كل اعتبار، ويؤمنون بأن قيمة المسؤول لا تُقاس بطول بقائه في موقعه، بل بما يتركه من أثر بعد رحيله.
لقد ترك لنا الشعر العربي إرثًا من القيم قبل أن يترك لنا إرثًا من البلاغة، لكن السؤال الحقيقي يبقى معلقًا في وجدان كل قارئ، وكل مسؤول، وكل صاحب قرار:
هل بقي بيننا من يستطيع أن يجعل الخيل والليل والبيداء تعرفه بأفعاله، لا بخطاباته؟ وهل بقي من يرى أن أعظم مجد يحققه الإنسان ليس أن يُصفق له الناس، بل أن تشهد له الأوطان بأنه أدى الأمانة حين كانت الأمانة ثقيلة؟
ربما لم يعد السؤال: من قال هذه الأبيات؟
بل السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم، بكل صدق وشجاعة:
من يجرؤ أن يعيشها؟

