لندن: محمد الطّورة
خطابان ملكيان يتجاوزان حدود السياسة ليضعا الإنسان وكرامته في قلب المشهد.
حين تطغى المشاعر الإنسانية لدى جلالة الملك عبدالله الثاني وجلالة الملكة رانيا العبدالله على غيرها من المشاعر، وتتقدم لغة الإنسان على لغة السياسة، تبدو الكلمات أكثر قرباً من القلب، وأكثر وضوحاً في التعبير عن الألم والأمل معاً. ففي السياسة كثير من العبارات التي تحتمل التأويل، وكثير من المواقف التي تحكمها الحسابات والمصالح، وقد تختبئ المعاني أحياناً خلف دبلوماسية اللغة وغموضها. أما حين يتقدم الإنسان إلى واجهة الخطاب، يصبح الكلام أكثر صدقاً، وتصبح الرسالة أبعد من حدود السياسة وأقرب إلى الضمير.
وهذا ما شعرت به وأنا أتابع خطابي جلالة الملك عبدالله الثاني وجلالة الملكة رانيا العبدالله، خصوصاً أنني أعيش وأعمل في العاصمة البريطانية لندن، وأدير موقعاً إخبارياً أتابع من خلاله، من موقع المواطن الأردني، كثيراً من النقاشات التي تدور حول الأردن ومواقفه ودوره في القضايا الإقليمية والدولية. وفي كل مرة يثار فيها نقاش حول اجتماعات الأمم المتحدة، أو حول الدور الأردني في هذه المؤسسة الدولية، أجدني أعود إلى تلك الكلمات التي تصدر من عمّان أو من المنابر الدولية، وأشعر بالفخر بأن للأردن صوتاً يحمل قضية الإنسان، ولا يتردد في التذكير بأن وراء الملفات السياسية شعوباً وأطفالاً وعائلات، وأن وراء الأرقام قصصاً إنسانية لا يجوز أن تضيع في دهاليز السياسة.
ولعل هذا الشعور بالفخر لا يأتي فقط من كون المتحدثين هما ملك وملكة الأردن، وإنما من طبيعة الرسالة التي يحملانها إلى العالم. فعندما يسمع الإنسان خطاباً يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، ويضع الكرامة الإنسانية في مقدمة الأولويات، يشعر بأن بلده لا يتحدث عن نفسه فقط، وإنما يحاول أن يحمل صوتاً أوسع، صوت الإنسان الذي لا يملك دائماً منبراً يتحدث من خلاله.
وأنت تقرأ خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم تستمع إلى كلمة جلالة الملكة رانيا العبدالله، تشعر بأن الخطابين، رغم اختلاف المناسبة وزاوية الطرح، يلتقيان عند معنى إنساني عميق؛ هو ضرورة ألا يفقد العالم حساسيته تجاه الألم، وألا تتحول المآسي التي نشاهدها كل يوم إلى مشاهد مألوفة لا تحرك فينا شيئاً.
جلالة الملك عبدالله الثاني تحدث عن مسؤولية العالم تجاه ما يجري، وعن خطورة أن يصبح اهتمام المجتمع الدولي بالقضايا الإنسانية مرتبطاً بتغير الأحداث والعناوين. ومن العبارات التي تستوقف القارئ في خطابه قوله: «ما نهمله اليوم، غالبا ما يشكل مستقبلنا». وهي عبارة تتجاوز معناها المباشر لتضع أمامنا سؤالاً بالغ الأهمية: ماذا يحدث عندما نرى الظلم ولا نفعل شيئاً، وعندما نعرف حجم المعاناة ثم نعتاد عليها؟ فما نهمله لا يختفي، وما نتجاهله اليوم قد يعود غداً بصورة أكثر قسوة.
وفي موضع آخر يؤكد جلالة الملك معنى لا يقل أهمية حين يقول: «لا يمكن لمبادئنا أن تتغير مع تغير انتباه العالم». وهنا تكمن إحدى أهم الرسائل الإنسانية في خطابه؛ فحقوق الإنسان لا ينبغي أن تكون مرتبطة بمقدار الاهتمام الإعلامي بقضية ما، ولا بعدد الكاميرات التي تسلط الضوء عليها. فالإنسان الذي لا تتحدث عنه نشرات الأخبار لا تقل حياته قيمة عن الإنسان الذي تصدرت مأساته شاشات العالم، والطفل الذي لا تصل صورته إلى وسائل الإعلام لا تقل طفولته براءة ولا حاجته إلى الأمان.
أما جلالة الملكة رانيا العبدالله، فقد اختارت أن تقترب أكثر من الإنسان، وأن تضع الطفل في قلب الصورة. وفي كلمتها جاءت عبارتها شديدة البساطة وشديدة القوة في الوقت نفسه: «مكان الأطفال هو في المدارس والملاعب وحول موائد العشاء… وليس في معتقل عسكري». كلمات قليلة، لكنها تختصر عالماً كاملاً من المعاني. فالطفولة يفترض أن تكون مدرسة وملعباً وبيتاً دافئاً ومائدة تجمع الأسرة، لا خوفاً واحتجازاً وحرماناً من أبسط الحقوق.
ولعل قوة خطاب الملكة رانيا تكمن في أنها لم تتحدث عن الأطفال باعتبارهم أرقاماً في تقارير أو ضحايا في إحصاءات، وإنما أعادت إليهم صورتهم الإنسانية. فالطفل الذي نقرأ عنه في خبر ليس مجرد رقم، وإنما إنسان له اسم وأسرة وأحلام وحق في أن يكبر بأمان. وخلف كل طفل قصة أم وأب وبيت وذكريات ومستقبل كان يفترض أن يكون مختلفاً.
وحين تقول جلالة الملكة: «فقط حين نشعر بألمهم يمكننا أن نبدأ في مداواتهم»، فإنها تضع يدها على جوهر القضية. فالمشكلة ليست دائماً في أننا لا نعرف ما يحدث، وإنما في أننا قد نعرف ونشاهد ونسمع، ثم نواصل حياتنا وكأن شيئاً لم يكن. وهنا يصبح التعاطف أكثر من مجرد شعور؛ يصبح مسؤولية، لأن الإنسان لا يستطيع أن يسعى إلى مداواة جرح لا يشعر به.
وبين خطاب الملك وخطاب الملكة تتشكل صورة إنسانية متكاملة؛ فالملك يتحدث عن الانتباه، والملكة تتحدث عن الإحساس. الملك يقول للعالم، بمعنى خطابه، لا تجعلوا القضايا الإنسانية رهينة للظرف أو للخبر العاجل، والملكة تذكّر بأن رؤية الألم والشعور به هما الخطوة الأولى نحو حماية الإنسان. وبين الانتباه والتعاطف تبرز مسؤولية ثالثة هي الفعل.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسانية ليس فقط أن تقع المأساة، وإنما أن تصبح المأساة مألوفة. أن نشاهد طفلاً خائفاً فلا نتوقف، وأن نرى بيتاً مهدماً ثم ننتقل إلى الخبر التالي، وأن نسمع عن ضحايا جدد فيصبح الرقم مجرد رقم. عندها لا تكون المشكلة في نقص المعلومات، وإنما في اعتياد الألم.
وهنا تكتسب كلمتا الملك والملكة معناهما الأعمق. فهما لا تتحدثان فقط عن أزمة أو حدث بعينه، وإنما تضعان أمام العالم سؤالاً أكبر: هل نستطيع أن نحافظ على إنسانيتنا في عالم تزداد فيه المآسي وتتعدد فيه الأزمات؟ وهل نستطيع أن نرفض أن يصبح الألم جزءاً عادياً من حياتنا اليومية؟
إن ما يلفت في الخطابين أن كليهما يعيد الإنسان إلى مركز القضية. جلالة الملك يتحدث عن المبادئ التي يجب ألا تتغير بتغير اهتمام العالم، وجلالة الملكة تتحدث عن طفل يجب ألا نسمح بأن تضيع طفولته وسط صراعات الكبار. وفي الحالتين نجد أنفسنا أمام المعنى ذاته: الإنسان أولاً.
ولذلك، حين أدخل في نقاشات هنا في لندن حول اجتماعات الأمم المتحدة والدور الأردني فيها، أجد أن ما قيل في هذين الخطابين يمنحني مساحة من الاعتزاز كمواطن أردني. ليس لأنني أنظر إلى الأردن من زاوية العاطفة وحدها، وإنما لأنني أتابع من خارج الوطن كيف يمكن للكلمة الأردنية أن تكون حاضرة في نقاش دولي واسع، وأن تحمل معها قضايا تتجاوز حدود الأردن إلى قضايا الإنسان وكرامته وحقه في الأمن والسلام.
ومن موقع عملي في الإعلام، أجد أن مسؤولية نقل هذه الرسائل لا تقل أهمية عن متابعة تفاصيل الأحداث نفسها. فالإعلام لا ينبغي أن يكتفي بنقل ما قيل، وإنما عليه أيضاً أن يتوقف عند المعاني التي تختبئ خلف الكلمات، وأن يتيح للقارئ فرصة أن يرى الصورة الإنسانية التي قد تضيع أحياناً وسط التفاصيل السياسية.
فالسياسة مهما تعقدت، والأزمات مهما تشابكت، والاختلافات مهما اتسعت، لا ينبغي أن تجعلنا ننسى أن هناك إنساناً يقف في نهاية كل هذه المعادلات. إنساناً يريد أن يعيش آمناً، وأن يرى أبناءه في المدارس، وأن يجتمع مع أسرته حول مائدة، وأن يحلم بمستقبل أفضل.
ومن هنا، فإن قراءة خطابي الملك والملكة لا تقودنا فقط إلى ما قيل فيهما، وإنما إلى ما ينبغي أن يبقى في ضميرنا بعد أن تنتهي الكلمات. أن ننتبه قبل أن يصبح التجاهل عادة، وأن نشعر قبل أن يصبح الألم رقماً، وأن نتذكر أن الطفل الذي نراه في صورة عابرة هو إنسان كامل الحقوق، وأن الأسرة التي نراها في خبر هي أسرة لها أحلامها وبيتها وذكرياتها.
وربما يمكن اختصار الرسالة الإنسانية التي تجمع الخطابين في كلمتين: أن نرى وأن نشعر. أن نرى ما يحدث، وألا ندير أعيننا عنه، وأن نشعر بألم الذين يعيشونه، وألا نسمح لكثرة المشاهد المؤلمة أن تفقدنا القدرة على التعاطف.
فالعالم لا يحتاج فقط إلى مزيد من الكلمات عن الإنسانية، وإنما يحتاج إلى ألا يفقد إحساسه بالإنسان. ولا يحتاج الأطفال إلى أن نتحدث عن طفولتهم فحسب، بل إلى أن نحمي حقهم في أن يعيشوا طفولة حقيقية، فيها مدرسة وملعب وأسرة وأمان وحلم.
وفي النهاية، يترك خطابا الملك والملكة لدى القارئ إحساساً بأن الإنسانية ليست شعاراً نرفعه عندما تكون الكاميرات حاضرة، وإنما قيمة نحافظ عليها حتى عندما ينصرف العالم إلى خبر آخر. وربما هنا تحديداً تكمن قوة الرسالة: ألا نسمح لكثرة المآسي أن تجعلنا أقل إحساساً بها، وألا نسمح لتغير اهتمام العالم أن يغير مبادئنا، وألا ننسى أن وراء كل رقم إنساناً، ووراء كل طفل مستقبلاً، ووراء كل مأساة مسؤولية تقع على عاتقنا جميعاً.
لقد تحدث الملك عن الانتباه، وتحدثت الملكة عن التعاطف، لكنهما التقيا عند الإنسان. وهذا ربما هو المعنى الأجمل في الخطابين: أن يبقى الإنسان حاضراً في ضميرنا، مهما ازدحمت السياسة بالأزمات، ومهما كثرت الأخبار، ومهما تغيرت العناوين.
ولأنني أكتب هذه السطور من لندن، بعيداً عن الوطن جغرافياً، لكن قريباً منه وجدانياً، أجد نفسي أردد بفخر: إن أجمل ما يمكن أن يحمله الأردني معه إلى العالم ليس فقط اسم وطنه، وإنما قيمه ومواقفه وصوته حين يتحدث عن الإنسان.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسانية ليس أن يتألم الإنسان فقط، وإنما أن نعتاد رؤية ألمه.
ولذلك تبقى الرسالة الأهم: لا تديروا ظهوركم للألم، ولا تسمحوا لكثرة المآسي أن تسرق منكم إنسانيتكم.